من أمن الطاقة إلى حماية المناخ.. كيف أصبحت الطاقة المتجددة بوابة مصر نحو التنمية المستدامة؟
في يوم 6 يونيو، 2026 | بتوقيت 9:13 ص

كتبت: التحقيق / شيرين سامى
الطاقة المتجددة.. نقطة التقاء التنمية والمناخ..
رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 45% من مزيج الطاقة بحلول عام 2028
استثمارات ومشروعات جديدة خلال الأشهر الأولى من 2026 تعزز التحول الأخضر..
الخبراء يؤكدون : الطاقة النظيفة لم تعد خيارًا بيئيًا بل ضرورة تنموية واقتصادية
د. عبدالمسيح سمعان: مواجهة التغيرات المناخية تبدأ من التحول إلى الطاقة النظيفة
د. حافظ سلماوي:
الطاقة المتجددة استثمار في الاقتصاد والمستقبل
د. حاتم الرومي: الطاقة النظيفة قضية تنموية وبيئية وأمنية
=========
في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وأمن الطاقة عالميًا، تبرز الطاقة المتجددة باعتبارها أحد أهم الحلول القادرة على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة وضمان حقوق الأجيال القادمة.
ولم يعد التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر مجرد توجه بيئي، بل أصبح ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز قدرة الدول على مواجهة الأزمات المناخية والاقتصادية المتلاحقة.
وخلال الفترة من يناير إلى مايو 2026، شهدت مصر خطوات مهمة في مسار التحول نحو الطاقة النظيفة، من بينها التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة وإضافة قدرات جديدة للشبكة القومية للكهرباء، إلى جانب افتتاح المرحلة الأولى من مشروع “أوبيليسك” للطاقة الشمسية، بما يعكس توجه الدولة نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض الانبعاثات الكربونية.
وتأتي هذه التحركات في ظل إدراك متزايد بأن قضية الطاقة لم تعد منفصلة عن قضايا التنمية والبيئة والمناخ، بل أصبحت في قلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يفرض تسريع وتيرة التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة باعتبارها أحد أهم أدوات تحقيق أهداف التنمية المستدامة ومواجهة التغيرات المناخية.
ورغم النجاحات التي حققتها مصر في التوسع بمشروعات الطاقة المتجددة، يؤكد الخبراء أن تحقيق الأهداف الطموحة للتحول الأخضر لا يخلو من تحديات فنية واقتصادية وتشريعية تتطلب حلولًا متكاملة لضمان استدامة هذا المسار.
ويشير الخبراء إلى أن من أبرز التحديات قضية تخزين الطاقة، خاصة أن مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح تتأثر بالظروف الطبيعية وتحتاج إلى تقنيات متطورة وأنظمة تخزين قادرة على ضمان استقرار إمدادات الكهرباء على مدار الساعة.
كما تمثل تكلفة التمويل والاستثمارات الأولية أحد التحديات المهمة، رغم الانخفاض المستمر في تكلفة إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، حيث تتطلب المشروعات الكبرى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متطورة وشبكات نقل كهرباء قادرة على استيعاب القدرات الجديدة.
العالم اليوم تفتح الملف وترصد آراء الخبراء..
رؤية متكاملة
يرى الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، أن التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة يمثل أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية الدولة المصرية، ليس فقط لتأمين احتياجات البلاد من الكهرباء، وإنما أيضًا لدعم جهود التنمية المستدامة ومواجهة التغيرات المناخية.
وأكد في تصريحات خاصة لـ”العالم اليوم”، أن الدولة تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 45% من مزيج الطاقة بحلول عام 2028، متجاوزةً بذلك المستهدف السابق الذي كان يبلغ 42%. يأتي هذا التسريع في الإطار الزمني في ضوء الاستراتيجية الوطنية للتحول إلى الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري
من خلال التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود التقليدي وتقليل الانبعاثات الكربونية، فضلًا عن جذب الاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة.
وأوضح ، أن هذه الاستراتيجية تركز على على عدة محاور رئيسية، من بينها تسريع وتيرة تنفيذ المشروعات عبر ضخ استثمارات كبيرة لدخول عدد من مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الخدمة خلال العامين القادمين، إلى جانب التوسع في مشروعات تخزين الطاقة باستخدام البطاريات بما يدعم استقرار الشبكة القومية ويعزز قدرتها على استيعاب القدرات الجديدة من مصادر الطاقة المتجددة.
كما تشمل المحاور دعم الاعتماد على التصنيع المحلي لمعدات الطاقة النظيفة، وتشجيع توطين التكنولوجيا المرتبطة بها، مع التوسع في استخدام الألواح الشمسية داخل المباني الحكومية، في إطار توجه الدولة نحو ترشيد الاستهلاك وتعزيز كفاءة الطاقة. وتمتد الاستراتيجية كذلك إلى تعزيز التعاون الدولي مع الشركاء التنمويين والمؤسسات العالمية، لتنفيذ مشروعات كبرى لطاقة الرياح، من خلال شراكات متعددة من بينها التعاون مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، بما يدعم خطط مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة المتجددة.
وأشار الوزير إلى أن خطة صيف 2026 تتضمن تنفيذ 49 مشروعًا لتدعيم الشبكة الكهربائية ضمن إجمالي 105 مشروعات، إلى جانب الإسراع في ربط مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بالشبكة القومية، بما يضمن استقرار التغذية الكهربائية واستيعاب القدرات الجديدة من الطاقة النظيفة.
وأوضح أن التحول نحو الطاقة النظيفة أصبح جزءًا من رؤية متكاملة تستهدف بناء اقتصاد أكثر استدامة وقدرة على التكيف مع التحديات البيئية والمناخية، مؤكدًا أن مصر تمتلك من المقومات الطبيعية والبنية التحتية ما يؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة.
الضغوط البيئية:
يوضح الدكتور عبدالمسيح سمعان، أستاذ الدراسات البيئية جامعة عين شمس ، أن الطاقة المتجددة أصبحت من أهم أدوات مواجهة التغيرات المناخية عالميًا، نظرًا لدورها المباشر في الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.
ويضيف أن التنمية المستدامة تقوم على تحقيق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وهو ما توفره الطاقة المتجددة من خلال توفير طاقة نظيفة وآمنة دون الإضرار بالموارد الطبيعية أو البيئة.
ويشير إلى أن التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح لا ينعكس فقط على خفض الانبعاثات، بل يساهم أيضًا في تحسين جودة الهواء والصحة العامة، والحد من الضغوط البيئية الناتجة عن استخدام الوقود الأحفوري.
ويشدد على أن العالم لم يعد يملك رفاهية تأجيل التحول نحو الطاقة النظيفة، في ظل تزايد الظواهر المناخية المتطرفة وارتفاع درجات الحرارة وتزايد المخاطر التي تهدد الموارد الطبيعية والأمن الغذائي والمائي.
واختتم أ.د. عبدالمسيح سمعان حديثه بالتأكيد على أن نجاح التحول نحو الطاقة النظيفة لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل يتطلب أيضًا تعزيز الوعي المجتمعي ونشر ثقافة الاستهلاك الرشيد للطاقة، وربط قضايا المناخ والطاقة بالتعليم والإعلام وبرامج التنمية المحلية.
تعزيز التنافسية
من جانبه، يؤكد الدكتور حافظ سلماوي، خبير الطاقة والرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، أن الطاقة المتجددة لم تعد مجرد مصدر بديل للكهرباء، بل أصبحت أحد أهم محركات النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
ويقول إن الدول التي تستثمر في الطاقة النظيفة تحقق فوائد متعددة تشمل خفض تكلفة إنتاج الطاقة على المدى الطويل، وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، وتعزيز أمن الطاقة، إلى جانب جذب الاستثمارات الأجنبية وتوطين الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا الخضراء.
ويضيف أن ما شهدته مصر خلال الأشهر الأولى من عام 2026 يعكس جدية الدولة في تنفيذ خطط التحول الطاقي، مشيرًا إلى أن التوسع في الطاقة المتجددة يسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري ويدعم تحقيق أهداف رؤية مصر 2030.
كما يؤكد أن نجاح خطط التنمية المستدامة يرتبط بشكل وثيق بقدرة الدول على بناء منظومة طاقة تعتمد على التنوع والكفاءة والاستدامة، وهو ما تمثله الطاقة المتجددة بامتياز.
ويؤكد حافظ سلماوي أن تطوير الشبكات الكهربائية الذكية وتحديث البنية التحتية للطاقة يعدان من المتطلبات الأساسية لاستيعاب الزيادة المستمرة في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، بما يضمن كفاءة التشغيل واستقرار الشبكة.
الاستثمارات الخضراء
ويؤكد الدكتور حاتم الرومي، النائب الأول لشعبة الطاقة بالغرفةالتجارية بالقاهرة ورئيس مجموعة تربل ام للطاقة ، أن التطورات العالمية الأخيرة أثبتت أن أمن الطاقة أصبح جزءًا لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي والبيئي، وأن الطاقة المتجددة تمثل أحد أهم الحلول لتحقيق هذا الأمن.
ويشير إلى أن التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يساعد على تقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات أسواق الطاقة العالمية، كما يساهم في خفض الانبعاثات وتحقيق الالتزامات الدولية الخاصة بالمناخ.
ويضيف أن المشروعات الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ خلال عام 2026 تؤكد أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو التحول الأخضر، وأن هذا التحول لا يقتصر على إنتاج الكهرباء فقط، بل يمتد إلى دعم الصناعة والنقل المستدام وتحفيز الاستثمارات الخضراء.
ويشدد على أن الاستثمار في الطاقة المتجددة يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل أكثر استدامة، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية في آن واحد.
وفى نهاية حديثه شدد الرومى على أن توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة يمثل تحديًا وفرصة في الوقت نفسه، مشيرًا إلى أهمية زيادة المكون المحلي في تصنيع الألواح الشمسية ومكونات محطات الرياح وأنظمة التخزين، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويقلل الاعتماد على الواردات.
التحديات والفرص
وفى مضمون تصريحاتهم اجمع الخبراء على أن التغيرات المناخية نفسها تفرض تحديات إضافية، حيث تؤثر موجات الحرارة الشديدة والظروف الجوية المتطرفة على أنماط الطلب على الكهرباء، ما يتطلب تخطيطًا أكثر مرونة وكفاءة لمنظومة الطاقة المستقبلية.
ورغم هذه التحديات، يتفق الخبراء على أن الفرص التي توفرها الطاقة المتجددة تفوق بكثير العقبات التي تواجهها، خاصة في ظل ما تمتلكه مصر من إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وموقع جغرافي يؤهلها لأن تصبح مركزًا إقليميًا لإنتاج وتداول الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر.
ويؤكدون أن نجاح الدولة في معالجة تحديات التمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية وتوطين الصناعة سيحول الطاقة المتجددة من قطاع واعد إلى قاطرة حقيقية للتنمية المستدامة، وأحد أهم أدوات مواجهة التغيرات المناخية خلال العقود المقبلة.
كما اجمع الخبراء على أن ما تشهده مصر من توسع في مشروعات الطاقة المتجددة خلال عام 2026 يعكس تحولًا استراتيجيًا مهمًا يربط بين أهداف التنمية المستدامة ومتطلبات مواجهة التغيرات المناخية.
فمع تزايد الضغوط المناخية عالميًا، لم تعد الطاقة النظيفة مجرد بديل للوقود التقليدي، بل أصبحت أداة تنموية متكاملة تسهم في تحقيق النمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، وحماية البيئة، وتعزيز أمن الطاقة.
وتكشف التجربة المصرية خلال الأشهر الأولى من عام 2026 أن الطريق إلى التنمية المستدامة يمر عبر بوابة الطاقة المتجددة، وأن مواجهة التغيرات المناخية لم تعد مسؤولية بيئية فقط، بل أصبحت قضية تنموية واقتصادية وأمنية من الدرجة الأولى.
فكل مشروع جديد للطاقة الشمسية أو الرياح لا يضيف عدد من الميجاوات إلى الشبكة الكهربائية فحسب، بل يضيف أيضًا لبنة جديدة في بناء اقتصاد أخضر أكثر قدرة على المنافسة والصمود، ويؤكد أن الاستثمار في الطاقة النظيفة هو استثمار في الإنسان والبيئة ومستقبل الأجيال القادمة.







