الطاقة الشمسية على صفيح ساخن.. الخبراء يحذرون من فوضى “بيع الكهرباء” بين المواطنين
في يوم 20 مايو، 2026 | بتوقيت 9:46 ص

كتبت: شيرين سامى
بعد التصريحات الأخيرة لوزارة الكهرباء..
هل تتحول الطاقة الشمسية من حلم الاستدامة إلى أزمة تنظيمية تهدد استقرار الشبكة؟
مطالب بتدخل عاجل من جهاز تنظيم مرفق الكهرباء لحسم الجدل ووضع قواعد واضحة للطاقة الشمسية المنزلية..
هيبة: نواجه فجوة حقيقية بين التبسيط الإعلامي للملف والتعقيدات القانونية والفنية التي تحكم قطاع الكهرباء
الرومى : مصر تحتاج إلى “جراحة حقيقية” في ملف الطاقة تبدأ بإشراك أصحاب الخبرة في صناعة القرار
الوكيل: الكهرباء منظومة دقيقة لا تحتمل التداول العشوائي.. واستقرار الشبكة مرهون بتوازن الإنتاج والاستهلاك
الشناوى: محطات الطاقة الشمسية المتصلة بالشبكة تخفض الفاتورة.. والموافقات الفنية شرط أساسي للتشغيل
5 أمتار مربعة من الألواح الشمسية تُنتج كيلووات من القدرة الكهربائية ترتفع مع سطوع الشمس ل 6 كيلووات/ساعة يوميًا..
============
في الوقت الذي تتوسع فيه الدولة المصرية بخطى متسارعة نحو الطاقة النظيفة، فجّرت التصريحات المنسوبة إلى وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بشأن إمكانية بيع الكهرباء المنتجة من المحطات الشمسية بين المواطنين دون الرجوع إلى شركات الكهرباء، حالة واسعة من الجدل داخل الأوساط الفنية والتنظيمية، وسط تحذيرات من خبراء ومتخصصين اعتبروا أن الحديث عن “تداول الكهرباء” خارج الأطر القانونية قد يفتح الباب أمام فوضى تنظيمية ومخاطر فنية تمس سلامة الشبكة القومية وأمن الطاقة.
اللافت أن التصريحات جاءت في توقيت حساس، تشهد فيه مصر ضغوطًا متزايدة على الشبكة الكهربائية مع ارتفاع الأحمال والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وهو ما دفع خبراء إلى المطالبة بضرورة التمييز بين تشجيع المواطنين على استخدام الطاقة الشمسية، وبين فتح المجال لممارسات قد تتجاوز الإطار القانوني والفني المنظم لقطاع شديد الحساسية مثل الكهرباء.
وفى تصريحات خاصة ل ” العالم اليوم” قال قال منصور عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الكهرباء، إن هناك نحو 100 شركة مؤهلة لتنفيذ محطات الطاقة الشمسية أعلى أسطح المنازل، مشيرًا إلى أن هذه الشركات تم اعتمادها من هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة وتقوم بالفعل بتنفيذ المشروعات.
وأضاف أن المواطن يمكنه الدخول على المنصة المخصصة والتواصل مع الشركات المتاحة، ثم اختيار أقل عروض الأسعار لتنفيذ المحطة.
موضحا أن المحطات التي تقل قدرتها عن 500 كيلو وات لا تحتاج إلى ترخيص، حيث يتوجه المواطن مباشرة إلى شركة التوزيع، من خلال إدارات متخصصة تم إنشاؤها على مستوى الجمهورية للتعامل مع الجمهور.
ولفت إلى أن المحطات التي تتجاوز قدرتها 500 كيلو وات تحتاج إلى الحصول على رخصة من جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، مع تركيب عدادات ثنائية الاتجاه، مؤكدًا أن التنفيذ يتم عبر الشركات المؤهلة لضمان الالتزام بالاشتراطات الفنية والحفاظ على سلامة واستقرار الشبكة القومية.
وقد آثار تصريح المتحدث الرسمى جدلا وبالتحديد فيما يخص تصريحه بخصوص :”أن أى مواطن ينتهى من إنشاء محطة شمسية أعلى منزله أو الوحدة التابعة له يستطيع أيضا بيع الطاقة المنتجة لغيره من المستهلكين دون الرجوع لشركة الكهرباء طالما لا يستخدم الشبكة القومية للكهرباء”
وتعقيبا على ذلك رصدت ” العالم اليوم آراء الخبراء”..
فجوة حقيقية
المهندس أيمن هيبة، رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة ورئيس جمعية تنمية الطاقة المستدامة “سيدا”، أكد أن بعض ما يتم تداوله يحتاج إلى تدقيق شديد، موضحًا أن المحطات الشمسية غير المتصلة بالشبكة القومية “Off-Grid” لا تحتاج بالفعل إلى تصريح من شركة الكهرباء طالما أنها تعمل بصورة مستقلة ولا تضخ الكهرباء داخل الشبكة العامة.
لكنه شدد في المقابل على أن “بيع الكهرباء للغير” حتى في حالة المحطات غير المرتبطة بالشبكة، لا يُعد نشاطًا مباحًا دون ترخيص، لأن ممارسة نشاط بيع الكهرباء يخضع قانونيًا لتنظيم جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، ويتطلب الحصول على تصاريح وتراخيص رسمية.
ويكشف حديث هيبة عن فجوة حقيقية بين التبسيط الإعلامي للملف، وبين التعقيدات القانونية والفنية التي تحكم قطاع الكهرباء، وهو ما يثير مخاوف من إساءة فهم المواطنين لطبيعة ما هو مسموح وما هو محظور.
غياب الشفافية
من جانبه، وجّه الدكتور حاتم الرومي، رئيس مجموعة “تربل إم للطاقة”، وعضو مجلس إدارة مركز بحوث الطاقة بجامعة المنوفية، والنائب الأول لشعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، انتقادات حادة لطريقة إدارة الملف، معتبرًا أن القرارات الحالية تُطرح دون دراسة كافية أو مشاركة حقيقية من الخبراء والمتخصصين.
الرومي قال إن الدولة تسعى بالفعل لحل أزمة الطاقة، وهو هدف مهم، لكن آليات التنفيذ ـ بحسب وصفه ـ “غير مدروسة”، مضيفًا أن القطاع الصناعي يحظى باهتمام كبير رغم أن القطاع المنزلي لا يقل أهمية، خاصة في ظل الأحمال المتزايدة على الشبكة.
وأشار إلى أن غياب الشفافية في عرض أرقام الاستهلاك والخسائر والتحديات التشغيلية يفاقم الأزمة، مطالبًا وزارة الكهرباء بإصدار تقارير واضحة وصريحة تشرح حقيقة أوضاع الإنتاج والتوزيع والنقل، حتى تُبنى القرارات على معلومات دقيقة لا على اجتهادات متفرقة.
وفي لهجة تحمل قدرًا كبيرًا من القلق، حذر الرومي من أن استمرار القرارات غير المدروسة قد يؤدي إلى نتائج سلبية على ملف الطاقة والاقتصاد معًا، لافتًا إلى أن الدولة تتحمل أعباء دعم ضخمة للكهرباء، بينما تباع الطاقة للمواطن بأقل من تكلفتها الحقيقية.
وأكد أن مصر تحتاج إلى “جراحة حقيقية” في ملف الطاقة، تبدأ بإشراك أصحاب الخبرة في صناعة القرار، وتتبنى حلولًا علمية قائمة على التخزين والطاقة الذكية وإدارة الأحمال، خصوصًا مع توقعات بزيادة الضغوط على الشبكة خلال فصل الصيف المقبل.
مشكلات تشغيلية
قال أحمد الشناوي خبير الطاقة ، إن محطات الطاقة الشمسية تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية، تشمل المحطات المتصلة بالشبكة الكهربائية، والمحطات غير المتصلة بالشبكة، بالإضافة إلى محطات “الهايبرد” التي تجمع بين النظامين، موضحًا أن النوعين الأول والثاني هما الأكثر انتشارًا، بينما لا يزال نظام “الهايبرد” محدود الاستخدام حتى الآن.
وأوضح الشناوي أن المحطات المتصلة بالشبكة الكهربائية تُستخدم بشكل واسع أعلى أسطح المنازل والمصانع والمراكز التجارية داخل المناطق السكنية المرتبطة بشبكة الكهرباء، حيث تسهم في تخفيف الأحمال على الشبكة القومية وتقليل قيمة فاتورة الاستهلاك.
وأشار إلى أن الراغب في إنشاء محطة طاقة شمسية يمكنه الدخول على منصة “مصر للطاقة الشمسية” للاطلاع على الشركات المعتمدة، ثم اختيار الشركة المناسبة التي تقوم بمعاينة الموقع وتحديد الأحمال الكهربائية المطلوبة، وعدد الألواح وقدرة المحطة المناسبة، إلى جانب إعداد الرسومات الفنية والبيانات الخاصة بالمحطة، تمهيدًا لتقديمها إلى شركة توزيع الكهرباء المختصة.
وأضاف أن شركة التوزيع تمنح موافقة مبدئية بعد مراجعة المستندات، ثم تبدأ الشركة المنفذة في تركيب المحطة، لتعود بعدها شركة التوزيع لإجراء القياسات الفنية الخاصة بالكهرباء المنتجة والجهد والتردد، قبل تركيب العداد ثنائي الاتجاه الذي يقيس الطاقة المصدرة والمستهلكة من الشبكة.
وأكد خبير الطاقة ، أن ربط أي محطة طاقة شمسية بالشبكة الكهربائية لا يمكن أن يتم دون الحصول على موافقات رسمية، نظرًا لوجود اشتراطات فنية دقيقة تتعلق بجودة الكهرباء والتردد وحماية الشبكة القومية من أي تأثيرات سلبية قد تؤدي إلى مشكلات تشغيلية جسيمة.
ولفت إلى أن المحطات المتصلة بالشبكة تعمل خلال ساعات سطوع الشمس، ثم تعتمد المنشآت بعد غروب الشمس على الكهرباء التقليدية القادمة من الشبكة القومية، سواء عبر التحويل اليدوي أو التلقائي.
أما المحطات غير المتصلة بالشبكة “أوف جريد”، فأوضح أنها تُستخدم غالبًا في المناطق البعيدة عن الشبكة الكهربائية، مثل بعض مناطق سيناء والواحات الداخلة والخارجة وسيوة، حيث تعتمد بشكل كامل على الطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء بالمناطق النائية.
تساؤلات فنية وتنظيمية
وجاء طرح ا.د.أمجد الوكيل، أستاذ القوى الكهربية والرئيس السابق لهيئة المحطات النووية، ليشمل تحليلًا من الناحية الفنية والتنظيمية.
حيث اوضح الوكيل أن تشجيع المواطنين على استخدام الطاقة الشمسية يمثل توجهًا استراتيجيًا مهمًا للدولة، لكن بعض التصريحات المتداولة بشأن “بيع الكهرباء مباشرة بين المواطنين” أو “إعفاء تركيب المحطات من أي شروط” تثير تساؤلات فنية وتنظيمية معقدة، إذا صحت نسبتها.
وأوضح أن الكهرباء ليست سلعة تقليدية يمكن تداولها بشكل عشوائي، بل منظومة دقيقة تعتمد على التوازن اللحظي بين الإنتاج والاستهلاك، وتخضع لمعايير صارمة تتعلق بجودة التغذية الكهربائية واستقرار الجهد والتردد وأنظمة الحماية.
وتساءل الوكيل: من يضمن جودة الكهرباء المباعة بين الأفراد؟ ومن يراقب كفاءة العواكس الإلكترونية وأنظمة التخزين؟ ومن يتحمل مسؤولية الأضرار الناتجة عن اضطرابات الجهد أو الأعطال الفنية؟
وأكد أن هذه الأسئلة لا تستهدف عرقلة انتشار الطاقة الشمسية، وإنما تهدف إلى ضمان أن يتم التوسع فيها بصورة آمنة ومستدامة، تحافظ على سلامة المواطنين واستقرار الشبكة الكهربائية.
وأضاف أن المنظومات الشمسية ليست مجرد ألواح أعلى الأسطح، بل أنظمة كهربائية متكاملة قد تتسبب ـ عند غياب التصميم أو التنفيذ السليم ـ في حرائق أو صعق كهربائي أو تأثيرات سلبية تهدد سلامة شبكة المستهلك ومستخدميها.
وشدد على أن أي نموذج مستقبلي لتبادل الكهرباء بين الأفراد يجب أن يسبقه إطار تشريعي وتنظيمي واضح، يتضمن مواصفات فنية ملزمة، وعقودًا قانونية، وآليات للرقابة والمحاسبة، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف.
وحول كمية الطاقة المنتجة وتكلفة اقامة محطة شمسية فوق المنازل فهى كالتالي:
حسب تصريحات الخبراء فإن
كل 5 أمتار مربعة من الألواح الشمسية تُنتج نحو كيلووات واحد من القدرة الكهربائية، ومع سطوع جيد للشمس يوميًا، يمكن أن تُولد ما بين 5 إلى 6 كيلووات.ساعة من الكهرباء يوميًا.
وتختلف تكلفة إقامة محطة طاقة شمسية منزلية بناءً على القدرة المطلوبة ونوع الاستهلاك.
حيث تختلف تكلفة الأنظمة المنزلية الفردية حسب القدرة بالكيلو وات (ك.وات) والتي يتم تحديدها بناءً على حجم الأجهزة المراد تشغيلها.
وفي خضم الجدل، يعود الخبراء للتأكيد على أن نظام “صافي القياس” يظل حتى الآن النموذج الأكثر أمانًا وتنظيمًا لتشغيل المحطات الشمسية المنزلية في مصر والعالم.
ويقوم هذا النظام على تركيب المواطن لمحطة شمسية أعلى منزله لاستهلاك جزء من الطاقة المنتجة، بينما يتم ضخ الفائض إلى الشبكة القومية للكهرباء، على أن تتم التسوية المحاسبية بين الاستهلاك والإنتاج تحت إشراف الدولة وشركات التوزيع.
ويرى متخصصون أن هذا النموذج يحقق معادلة متوازنة بين تشجيع الاستثمار الفردي في الطاقة النظيفة، والحفاظ في الوقت نفسه على استقرار الشبكة وضمان جودة التغذية الكهربائية.
وفي ظل تصاعد النقاش، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لمصر أن تفتح الباب أمام التوسع في الطاقة الشمسية دون أن تتحول المنظومة إلى سوق غير منظم لتداول الكهرباء؟
الإجابة ـ بحسب الخبراء ـ لا تكمن في تعطيل التحول نحو الطاقة المتجددة، وإنما في بناء إطار ذكي ومتوازن يعتمد على التشريع الواضح، والرقابة الفنية، والشبكات الذكية، وتوسيع استخدام البطاريات وأنظمة التخزين، مع إشراك الخبراء والمتخصصين في صياغة السياسات قبل إعلانها للرأي العام.
وفي هذا السياق، كان جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك قد أعلن في وقت سابق مجموعة من الشروط المنظمة لتركيب محطات الطاقة الشمسية أعلى المنازل للاستفادة من نظام “صافي القياس”، وجاءت أبرزها كالتالي:
• أن يكون السطح أو مكان التركيب مملوكًا لصاحب الطلب أو مؤجرًا بعقد يمتد لـ25 عامًا على الأقل.
• توافر عداد كهرباء قانوني “3 فاز”، مع عدم السماح بالتركيب على العدادات الكودية.
• أن يكون العداد باسم مقدم الطلب ومطابقًا لعنوان العقار.
• ألا تتجاوز قدرة المحطة الشمسية الحمل الأقصى المسجل على العداد.
• تخصيص مساحة مناسبة على السطح بمتوسط 8 أمتار مربعة لكل كيلووات.
• التأكد من السلامة الإنشائية للسطح وقدرته على تحمل الألواح والهياكل المعدنية.
• التقديم لشركة توزيع الكهرباء المختصة لإجراء المعاينة الفنية المجانية.
• اعتماد التصميمات الفنية والرسومات الهندسية قبل التنفيذ.
• تركيب “عداد صافي القياس” وربط المحطة بالشبكة القومية بعد انتهاء الأعمال الفنية والمعاينة النهائية.
وبين طموحات التحول الأخضر، وتعقيدات التنظيم الفني والقانوني، يبدو أن ملف “بيع الكهرباء بين المواطنين” ما يزال بحاجة إلى حوار أوسع ورؤية أكثر وضوحًا، حتى لا تتحول الطاقة الشمسية من فرصة واعدة إلى أزمة جديدة تضاف إلى تحديات قطاع الكهرباء.







