احمد مبارك : من التوحيد إلى التخصيص: مستقبل الخدمات المصرفية للشركات الصغيرة والمتوسطة

في يوم 22 أبريل، 2026 | بتوقيت 11:08 ص

كتبت: شيرين محمد

اكد أحمد مبارك، رئيس قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة ببنك المشرق مصر ان من أكثر التصوّرات الشائعة في قطاع الخدمات المصرفية اليوم هو الاعتقاد بأن الشركات الصغيرة والمتوسطة يمكن التعامل معها كقطاع واحد موحّد. والحقيقة أن هذه الشركات تختلف اختلافًا جوهريًا – ليس فقط من حيث الحجم، بل أيضًا من حيث القطاع، ومسار النمو، وطموحاتها الاستراتيجية. وعلى الرغم من هذا التنوع، لا تزال العديد من المؤسسات المالية تعتمد على منتجات نمطية وأطر تقليدية، لا تُجسّد الفروقات الدقيقة التي تشكّل هذا القطاع.

تُمثّل الشركات الصغيرة والمتوسطة أحد أهم محركات النمو في أي اقتصاد. إذ تمكّنها مرونتها من الاستجابة السريعة لتحوّلات السوق، والتكيّف مع الاضطرابات الاقتصادية، والاستفادة من الفرص الناشئة بطرق قد تعجز عنها المؤسسات الأكبر حجمًا. كما أنها، بفضل ترسّخها العميق في المجتمعات التي تعمل ضمنها، توفّر السلع والخدمات الأساسية، وتسهم في تعزيز نمو اقتصادي شامل قائم على النطاق المحلي. إن هذه المرونة وقربها من واقع السوق يضعانها في موقع يجعلها ليست فقط من أبرز المساهمين في الناتج المحلي الإجمالي وفرص العمل، بل أيضًا محرّكًا قويًا للابتكار، والمرونة، والنمو الاقتصادي المستدام على المدى الطويل.
في مصر، تنعكس هذه الأهمية بشكل متزايد ضمن الاستراتيجيات الوطنية. إذ يُجسّد تخصيص الحكومة نحو 5 مليارات جنيه مصري في موازنة 2025–2026 لدعم المشروعات الصغيرة – من خلال التمويل المدعوم، وبرامج التدريب، والمبادرات الاستشارية. ومع ذلك، ظلّت كثير من الخدمات المصرفية الموجّهة لهذا القطاع مصمّمة لتحقيق الحجم والكفاءة، أكثر من تركيزها على تلبية الخصوصية والتنوّع اللذين يميزان هذا القطاع في الوقت الراهن.
تتجه المؤسسات الرائدة إلى تقديم عروض قيمة أكثر تخصيصًا وبساطة ومرونة بحيث لا يظل القطاع المصرفي مجرد خدمة مستقلة، بل يتحوّل إلى محرّك يمكّن مختلف الأنشطة والخدمات ويعزّز تكاملها. ويتجسّد هذا التحوّل في تبنّي نماذج تسعير أكثر تكيفًا، بما في ذلك الهياكل المعتمدة على نماذج الاشتراك المرنة، إلى جانب تصميم حلول متخصصة بحسب القطاعات ومراحل النمو. ويتم دمج قدرات ذات قيمة مضافة مثل المحاسبة الرقمية، وإصدار الفواتير، وإدارة الخزينة مباشرة ضمن التجربة المصرفية.
يمثّل التحوّل الأبرز في قطاع الخدمات المصرفية للشركات الصغيرة والمتوسطة اليوم تزايد أهمية التجربة الرقمية، في ظل تسارع وتيرة التطور التكنولوجي بشكل غير مسبوق. إذ باتت الشركات الصغيرة والمتوسطة تختار شركاءها المصرفيين بناءً على جودة منصاتهم الرقمية وسرعتها وسهولة استخدامها. وبالنسبة للمشروعات الصغيرة، أصبح تطبيق الهاتف المحمول نقطة التفاعل الأساسية مع البنك، حيث يتيح لها إدارة معاملاتها، والوصول إلى الخدمات، واتخاذ قراراتها المالية في الوقت الفعلي.
كما تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي وخاصةً الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل متزايد في إعادة تشكيل كيفية خدمة البنوك للشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال تمكينها من تحقيق التوسع والتخصيص في آنٍ واحد. وعلى صعيد تجربة التفاعل المباشر مع العملاء، تُسهم هذه التقنيات في تزويد مديري العلاقات برؤى فورية مدعومة بالبيانات وسياقٍ أعمق يُثري جودة التواصل. وفي الوقت ذاته، تمكّن المساعدات الذكية ووسائل التفاعل الرقمية العملاء من إنجاز طلباتهم الروتينية بسرعة وكفاءة، مع تمكينهم من إدارة احتياجاتهم المالية بشكل أكثر استقلالية وسلاسة.
على المستوى التشغيلي، يُسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق كفاءات ملموسة عبر مختلف العمليات الأساسية. ففي عمليات التعاقد، يسرّع توليد المستندات آليًا من دورات الموافقة ويقلّل من التعقيدات والإجراءات اليدوية. أما في إجراءات اعرف عميلك KYC، فتعمل الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تعزيز دقة وسرعة التحقق من العملاء، بما يدعم الامتثال التنظيمي ويرتقي في الوقت ذاته بتجربة العملاء بشكل عام.
ويتعامل المشرق مصر مع هذا التحول برؤية واضحة تهدف إلى إعادة تعريف الخدمات المصرفية للشركات الصغيرة والمتوسطة كخدمة رقمية، شديدة التخصيص، ومبنية على خلق القيمة. ومع الإطلاق المرتقب لمنصة المشرق نيو بيزنس في مصر – استكمالًا لنجاحها في دولة الإمارات – نقدّم منصة تم تصميمها لتمكين أصحاب الأعمال من إدارة وتنمية أعمالهم بسلاسة، في أي وقت ومن أي مكان. ولا تُعد منصة المشرق نيو بيزنس مجرد حل مصرفي، بل منظومة متكاملة مصمّمة لتلبية احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة المتنوعة، من خلال تقديم حلول مرنة للشركات الناشئة، وحلول قابلة للتوسع للمؤسسات في مراحل النمو، إلى جانب خدمات مخصّصة للشركات التي تقودها النساء.
لن يتحدد مستقبل الخدمات المصرفية للشركات الصغيرة والمتوسطة بمدى كفاءة البنوك في توحيد منتجاتها، بل بقدرتها على تفصيلها بما يتناسب مع احتياجات كل عميل. فهذه الشركات ليست نمطًا واحدًا يمكن تعميمه، والبنوك التي تدرك هذه الحقيقة هي وحدها القادرة على قيادة مستقبل العمل المصرفي.