نائب رئيس الرابطة الأفريقية لمصنعي السيارات: القارة لا تعاني أزمة طلب بل “تشكيل سوق”.. واتفاقية التجارة الحرة وقواعد المنشأ (40/60) هي المفتاح لتوطين التكنولوجيا
في يوم 5 مايو، 2026 | بتوقيت 12:11 م

كتب: د.نجلاءالرفاعي
أكد الدكتور احمد فكري عبد الوهاب، عضو المجلس التصديري للصناعات الهندسية ونائب رئيس الرابطة الأفريقية لمصنعي السيارات (AAAM) لمنطقة شمال أفريقيا، أن التوجه نحو التصدير في قطاع الصناعات الهندسية والسيارات ليس مجرد “رفاهية” أو خيار إضافي، بل هو متطلب أساسي وحتمي لتحقيق النمو الصناعي وتوطين التكنولوجيا المتقدمة.
وشدد على أن أفريقيا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للتحول من مجموعة أسواق وطنية مجزأة إلى كتلة صناعية متكاملة عبر التفعيل الحقيقي لاتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA).جاء ذلك خلال الندوة التي عقدها المجلس التصديري للصناعات الهندسية بالتنسيق مع هيئة معارض فرانكفورت للإعلان عن تفاصيل المشاركة المصرية في معرضي أوتوميكانيكا فرانكفورت وجنوب افريقيا 2026خلال الفترة من 27-29 أكتوبر 2026 وياتي ذلك في اطار دعم جهود التوسع الخارجي وزيادة الصادرات
وفي استعراضه للمشهد الحالي، عقد د. فكري مقارنة ديموغرافية واقتصادية تبرز الفجوة الصناعية؛ حيث أشار إلى أن عدد سكان القارة الأفريقية يبلغ حوالي 1.55 مليار نسمة، وهو رقم يتقارب مع عدد سكان الهند البالغ 1.45 مليار نسمة. وبينما تنجح الهند في إنتاج وتصنيع أكثر من 5 ملايين سيارة ركاب سنوياً، لا يزال إنتاج القارة الأفريقية بأكملها متعثراً دون مستوى 1.5 مليون مركبة، يتركز معظمها في ثلاث دول فقط هي المغرب، وجنوب أفريقيا، ومصر.
وأوضح د. فكري أن المعضلة في أفريقيا لا تكمن في “الطلب”، فالطلب موجود فعلياً وسيشهد نمواً متزايدا مع زيادة التوسع الحضري، ولكن المشكلة الأساسية تكمن في “تشكيل السوق” (Market Shaping).
وحلل د. فكري جذور هذه الأزمة في ثلاث نقاط رئيسية:
اولا إغراق السيارات المستعملة: حيث أكد أن استمرار سياسات استيراد السيارات المستعملة في معظم الدول الأفريقية يقتل أي فرصة لقيام إنتاج محلي عالمي داخل القارة.
ثانيت ضعف التمويل وغياب آليات “تمويل الشراء” (Vehicle Finance) الموجهة للمستهلكين، مما يضعف قدرتهم على اقتناء السيارات الجديدة.
ثالثا تعقيد الإجراءات:حيث وصف المسارات اللوجستية، وإجراءات الجمارك، ونظم الاعتماد والشهادات بأنها “بالغة التعقيد” وتعرقل حركة المكونات والمنتجات النهائية بين الدول الأفريقية.
وكشف د. فكري عن انتهاء الإطار القانوني لقواعد المنشأ الخاصة بقطاع السيارات في فبراير الماضي، مؤكداً أن المهمة الحالية هي “التنفيذ” وتحويل هذه النصوص إلى تدفقات تجارية واستثمارات حقيقية. وأوضح أن القواعد الجديدة تعتمد “واقعية صناعية” محفزة، حيث تسمح بمدخلات ومكونات غير أفريقية تصل إلى 60%، مما يعني أن عتبة المحتوى الأفريقي المطلوبة هي 40% كبداية عملية للعملية التصنيعية.
وأوضح أن القوة الضاربة في هذه القواعد تكمن في مبدأ “تراكم المنشأ” (Accumulation of Origin)؛ وهو النظام الذي يتيح اعتبار أي مكون مصنع في أي دولة أفريقية جزءاً من “المحتوى المحلي” لسيارة يتم تجميعها في دولة أخرى. هذا المبدأ يسمح للاقتصاديات الصغيرة التي لا تملك مصانع تجميع نهائية بالمشاركة في سلاسل القيمة العالمية عبر صناعة المنسوجات، أو الضفائر الكهربائية، أو البطاريات، أو الزجاج، مما يخلق تكاملاً صناعياً عابراً للحدود.
وفيما يخص التعاون الإقليمي، شدد د. فكري على ضرورة النظر إلى مصر وجنوب أفريقيا كقطبين متكاملين لا كمتنافسين. فبينما تمتلك جنوب أفريقيا عقوداً من الخبرة السياسية والصناعية وشبكات موردين راسخة من خلال “برنامج تنمية صناعة السيارات” (AIDP) الذي استفادت مصر من تجربته، تتمتع مصر بموقع استراتيجي فريد يربط أفريقيا بأوروبا والشرق الأوسط، وتمتلك محور قناة السويس، وقدرات هندسية متنامية، وسوقاً محلياً ضخماً.
وأعلن د. فكري عن العمل الجاري لإطلاق “منتدى استثمار سيارات مصري جنوب أفريقي” خلال العام الجاري بالتعاون مع البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank)، بهدف تحويل القواعد الورقية إلى مشروعات قابلة للتمويل وخلق ممرات صناعية تربط المكونات والتجميع والمعايير والخدمات اللوجستية بين القطبين.
وحول المشاركة في المعارض الدولية مثل “أوتوميكانيكا” (Automechanika)، أوضح د. فكري أنها أدوات استراتيجية للنمو؛ فمعرض فرانكفورت يربط الشركات المصرية بالحدود التكنولوجية العالمية، بينما يعد معرض جوهانسبرج بوابة لاختراق شبكات التوزيع في أفريقيا جنوب الصحراء.
وأكد أن سوق “ما بعد البيع” (قطع الغيار والخدمات) هو الحجر الأساس الذي تبدأ منه القدرات الصناعية الحقيقية، حيث يوفر طلباً مستمراً يمهد الطريق للشركات الصغيرة والمتوسطة لتصبح لاحقاً موردين للمصنعين الأصليين (OEM). وحذر من أن هذا القطاع يمر بتحول جذري، مشدداً على ضرورة استعداد الشركات لتقنيات السيارات الكهربائية (EVs)، والسيارات الهجينة، وأنظمة التشخيص الرقمية المتقدمة لتجنب الإقصاء من السوق مستقبلاً.
وجه د. فكري نصائح إجرائية صارمة للشركات المصرية الراغبة في التوسع، مؤكداً أن “زيارة المعارض دون استعداد هي مجرد سياحة”، وطالب بضرورة اتباع الخطوات التالية:
1. تحديد الغرض بدقة:سواء كان بيعاً، أو بحثاً عن شريك تكنولوجي، أو دراسة لفرص السيارات الكهربائية.
2. صياغة “قصة التصدير”: التركيز على الموثوقية، الجودة، والقدرة على الاستجابة كعناصر أساسية للتعاقد.
3. إتقان الأرقام الفنية: ضرورة معرفة الطاقة الإنتاجية، هيكل التكلفة، والحد الأدنى للطلبات (MOQ) بدقة قبل التفاوض.
4. دراسة الأسواق المستهدفة: إدراك أن أفريقيا ليست كتلة واحدة، فالمستهلك في غانا يختلف في متطلباته عن نظيره في كينيا أو المغرب.
5. المتابعة المهنية الدقيقة: التأكيد على أن الصفقات تُبنى في مرحلة “ما بعد المعرض” عبر إرسال العينات والرد الفني السريع.
6. التفكير الجماعي والمؤسسي:دعا المؤسسات الحكومية والمجالس التصديرية للتنسيق الجماعي لتقديم مصر كـ “شريك هندسي وصناعي متكامل” وموثوق في القارة.
واختتم د. فكري تصريحاته بتأكيد حاسم أن طموحات مصر في قطاع السيارات لن تتحقق بالبيانات أو الشعارات، بل من خلال الاستثمار الفعلي، ورفع جودة الموردين، وتحقيق المصداقية لدى المستهلك الأفريقي، وهو ما يتطلب تكاتفاً وطنياً شاملاً.







