د.أمجد الوكيل: محطة الضبعة مشروع أمن قومي يعزز استقرار الشبكة الكهربائية ويؤمن مستقبل الطاقة في مصر
في يوم 8 يونيو، 2026 | بتوقيت 8:40 م

كتبت: شيرين سامى
أكد الدكتور أمجد الوكيل ، الرئيس السابق لهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، أن تأمين الطاقة لم يعد قضية فنية فقط، بل أصبح أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي والسيادي للدول، مشيرًا إلى أن الاعتماد على مصدر واحد للطاقة يمثل مخاطرة استراتيجية في ظل ما يشهده العالم من تقلبات في أسواق الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد.
جاء ذلك خلال مشاركته في فعاليات الأسبوع الوطني الثاني عشر للتنمية المستدامة، ضمن الجلسة الأولى التي انعقدت تحت عنوان :
“مستقبل قطاع الطاقة في مصر في إطار الانتقال العادل نحو اقتصاد أخضر ومستدام”، حيث استعرض دور البرنامج النووي المصري السلمي ومحطة الضبعة في دعم أمن الطاقة وتحقيق الاستقرار المستدام للشبكة الكهربائية.
وأوضح الوكيل أن محطة الضبعة تمثل عنصرًا رئيسيًا في مزيج الطاقة المصري، نظرًا لقدرة الطاقة النووية على توفير كهرباء نظيفة ومستدامة تعمل على مدار 24 ساعة يوميًا وطوال أيام الأسبوع، بما يضمن تغطية الأحمال الأساسية للشبكة دون انقطاع. كما أنها لا تتأثر بالتقلبات الحادة في أسعار الوقود الأحفوري أو اضطرابات الأسواق العالمية، فضلًا عن عدم ارتباطها بالعوامل الجوية المتغيرة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وأضاف أن مستقبل الطاقة يعتمد على التكامل بين مختلف المصادر، مؤكدًا أن الطاقة النووية والمتجددة ليستا في حالة تنافس، بل تمثلان معًا منظومة متكاملة لتحقيق التنمية المستدامة.
وقال: “الطاقة الخضراء ليست لونًا واحدًا، وإنما هي مزيج من سطوع الشمس ونسائم الرياح وقوة الذرة”.
وأشار إلى أنه من المتوقع أن تنتج محطة الضبعة النووية عند اكتمالها قدرة كهربائية تبلغ نحو 4800 ميجاوات، بإنتاج سنوي يتجاوز 35 مليار كيلووات.ساعة، بما يمثل نحو 12% من احتياجات مصر من الكهرباء بحلول عام 2030.
كما ستسهم في تجنب انبعاث نحو 14 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وتوفير ما لا يقل عن 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، ما يجعلها ركيزة أساسية لتحقيق السيادة الطاقية ودعم الاستقرار الاقتصادي والمجتمعي.
وشدد الوكيل على أن محطة الضبعة ليست مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، بل مشروع أمن قومي متكامل يضمن استقرار إمدادات الطاقة ويحمي الدولة من تكرار أزمات نقص الوقود أو اللجوء إلى تخفيف الأحمال مستقبلاً.
أعلى معايير الأمان النووي
وخلال حديثه عن عوامل الأمان بالمحطة، أوضح الوكيل أن مفاعلات الضبعة صُممت بعمر تشغيلي يصل إلى 60 عامًا مع إمكانية التمديد إلى 80 ثم 100 عام، وبمعامل سعة يتجاوز 90%، ما يعكس كفاءتها التشغيلية العالية.
وأضاف أن المحطة تعتمد على تكنولوجيا مفاعلات الجيل الثالث المتقدم (Gen III+)، وهي من أحدث التكنولوجيات النووية المتاحة عالميًا وأكثرها أمانًا. وأشار إلى أن تصميم المفاعل يتيح له تحمل اصطدام طائرة تجارية ثقيلة يصل وزنها إلى 400 طن، فضلًا عن مقاومة الزلازل القوية وأمواج التسونامي والأعاصير والعوامل الطبيعية القاسية وفقًا لأعلى المعايير الدولية.
كما لفت إلى أن المفاعلات مزودة بما يعرف بـ”مصيدة قلب المفاعل” (Core Catcher)، وهي منظومة أمان متقدمة مصممة لاحتواء المواد المشعة داخل المفاعل في حال وقوع حادث جسيم، رغم أن احتمالات حدوث مثل هذه الحوادث تُعد ضئيلة للغاية وفقًا للمعايير الهندسية الحديثة.
وأوضح أن المفاعلات تعتمد كذلك على فلسفة “الدفاع في العمق”، التي تقوم على تعدد الحواجز وأنظمة الحماية بين المواد المشعة والبيئة المحيطة، إضافة إلى نظم أمان سلبية تعتمد على الظواهر الطبيعية مثل الجاذبية الأرضية والسريان الطبيعي للسوائل، دون الحاجة إلى مصادر طاقة خارجية.
وأكد أن هذه المواصفات تجعل مفاعلات الضبعة من بين أكثر المفاعلات النووية أمانًا على مستوى العالم في الوقت الراهن.
الطاقة النووية ودعم الاستدامة البيئية
وفيما يتعلق بمخاوف البعض من السكن بالقرب من المحطات النووية، أكد الوكيل أن الإقامة بجوار المحطات النووية آمنة تمامًا، موضحًا أن الطاقة النووية تعد من أكثر مصادر الطاقة النظيفة دعمًا للاستدامة البيئية.
وأشار إلى أن محطة الضبعة ستسهم في خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 14 مليون طن سنويًا مقارنة بالمحطات التقليدية العاملة بالوقود الأحفوري. كما أن إجمالي الانبعاثات الناتجة عن دورة حياة المحطة النووية لا يتجاوز 12 جرامًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلووات.ساعة، وهي من أقل المعدلات عالميًا ولا ينافسها في ذلك سوى طاقة الرياح.
وأضاف أن انبعاثات الطاقة الشمسية تتراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف الانبعاثات النووية، بينما ترتفع إلى نحو 40 ضعفًا في محطات الغاز الطبيعي، و60 ضعفًا في المحطات البترولية، وتقترب من 70 ضعفًا في محطات الفحم، وهو ما يعكس الدور الحيوي للطاقة النووية في تحقيق أهداف خفض الانبعاثات ومواجهة التغيرات المناخية.
وأكد أن مشروع الضبعة يقع في قلب رؤية مصر 2030، حيث يدعم أبعاد التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويسهم في تعزيز أمن الطاقة وتحسين جودة الحياة ودعم التنمية العمرانية المستدامة.
استراتيجية متكاملة لإدارة الوقود المستنفد
وخلال الجلسة، رد الوكيل على استفسار أحد الحاضرين بشأن كيفية التعامل مع الوقود النووي المستنفد، موضحًا أن مصر اعتمدت في يوليو 2017 استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة النفايات المشعة والوقود النووي المستنفد وعمليات التكهين، من خلال المجلس الأعلى للاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وأوضح أن الاستراتيجية تستهدف ضمان الإدارة الآمنة للوقود المستنفد والنفايات المشعة بما يحافظ على صحة الإنسان والبيئة، ويمنع تحميل الأجيال المقبلة أعباء إضافية، مع مراعاة الجوانب الاقتصادية وأحدث التطورات العلمية والتكنولوجية.
وأشار إلى أن الوقود المستنفد يُخزن أولًا داخل أحواض مائية لمدة تتراوح بين خمس وسبع سنوات، قبل نقله إلى مستودعات التخزين الجاف داخل أوعية مصممة وفق أعلى معايير الأمان. كما يتضمن عقد إنشاء محطة الضبعة إنشاء مستودعات للتخزين الجاف تتيح حفظ الوقود المستنفد لمدة تصل إلى 60 عامًا مع إمكانية مدها إلى 80 عامًا وفقًا للاشتراطات الفنية والتنظيمية.
وأضاف أنه يمكن مستقبلاً التعامل مع الوقود المستنفد من خلال التخزين الجيولوجي العميق أو إعادة المعالجة واستخلاص المواد القابلة لإعادة الاستخدام، مشيرًا إلى أن الوقود المستنفد لا يزال يحتوي على نحو 96% من اليورانيوم الذي يمكن الاستفادة منه اقتصاديًا.
وأكد الوكيل أن التطورات المتوقعة في تقنيات إعادة المعالجة خلال العقود المقبلة ستسمح بتحويل جزء متزايد من الوقود المستنفد إلى مورد اقتصادي ذي قيمة، بدلًا من اعتباره مجرد مخلفات يجب التخلص منها.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الوقود النووي المستنفد يظل خاضعًا في جميع مراحل التعامل معه لمنظومة رقابية وأمنية صارمة، تضمن أعلى مستويات الأمان النووي والإشعاعي، بما يحافظ على سلامة الإنسان والبيئة ويعزز الثقة في البرنامج النووي المصري السلمي.







