رشا قلج: ما الرسالة التي ستصل للشعوب الإفريقية بعد مشاهدة فيلم “أسد”؟
في يوم 3 يونيو، 2026 | بتوقيت 5:29 م

كتب: العالم اليوم
أعربت الدكتورة رشا قلج، عضو مجلس الشيوخ المصري السابق والرئيس التنفيذي لمؤسسة ميرك الدولية، والمصرية الأكثر تأثيرًا في إفريقيا (٢٠١٩الي ٢٠٢٦)، عن بالغ قلقها تجاه الرسائل التي يقدمها فيلم “أسد”، معتبرة أن العمل يطرح سردية تاريخية غير متوازنة قد تترك آثارًا سلبية على صورة مصر و المصرين وعلاقاتها الممتدة مع الشعوب الإفريقية الشقيقه .
وأكدت د. رشا قلج أن اعتراضها لا يتعلق بحرية الإبداع الفني أو حق الفنان في تقديم رؤيته الخاصة، وإنما يرتبط بمسؤولية الأعمال الفنية عندما تتناول وقائع تاريخية ليست حقيقية أو توحي للمشاهد بأنها تستند إلى أحداث موثقة، خاصة إذا كانت هذه الأعمال مرشحة للوصول إلى جمهور دولي واسع عبر المهرجانات والمنصات العالمية.
وقالت إن الفيلم يقدم صورة توحي بأن المجتمع المصري في القرن التاسع عشر كان قائمًا على اضطهاد الأفارقة السود البشره واستعبادهم على أساس اللون والعرق، وهو طرح لا يعكس الحقيقة التاريخية بكل تعقيداتها، ويختزل واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا في رواية مبسطة قد تؤدي إلى تكوين انطباعات مغلوطة عن مصر وشعبها.
وأضافت أن العبودية كانت ظاهرة عالمية عرفتها معظم الحضارات والمجتمعات عبر التاريخ، ولم تكن مقتصرة على مصر أو على شعب بعينه، كما أنها لم تكن قائمة على أساس اللون أو العرق. فالتاريخ يؤكد أن العبيد في مصر جاؤوا من أصول وخلفيات متعددة شملت ولم تقتصر علي الأفارقة، بل شملت ايضا الشركس، والقوقازيين، والجورجيين، والآسيويون وغيرهم، كما أن المماليك أنفسهم الذين حكموا مصر لقرون كانوا في الأصل من طبقات العبيد العسكريين من العديد من الجنسيات و الإغراق قبل أن يصبحوا حكامًا للدولة.
وأوضحت أن التاريخ المصري لم يقدم أدلة موثقة على وجود ثورة للعبيد السود البشره ضد المصريين بالصورة التي يقدمها الفيلم، الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول الحدود الفاصلة بين الدراما التاريخية والخيال الفني، وحول مسؤولية صناع العمل في توضيح بطريقه مؤكده ما إذا كانت الأحداث المطروحة مستندة إلى وقائع موثقة أم إلى معالجة درامية متخيلة.و من المحبذ ان تقدم رساله صوتيه و مكتوبه في مقدمه و نهايه الفيلم من بطل الفيلم نفسه توكد ان هذه القصه منً وحي الخيال و لاتمثل مكان او زمان محدد و الرساله يجب ان تركز ايضا علي علاقه المصريين ومصر بأشقائهم الافارقه و كيف ساعدت مصر الشعوب الافريقيه الشقيقه في التحرر من الاستعمار
وأكدت د. رشا قلج أن رفض العبودية باعتبارها ممارسة غير إنسانية لا يعني القبول بإعادة تفسير التاريخ أو تقديم صورة أحادية الجانب تتجاهل حقائق موثقة وسياقات تاريخية أوسع، مشيرة إلى أن العبودية عبر التاريخ ارتبطت بالحروب والأسر والصراعات السياسية والاقتصادية والانتماءات القبلية والاجتماعية، ولم تكن قائمة فقط على التمييز العنصري كما حدث في نظام الرق عبر الأطلسي في الأمريكتين.
وأضافت أن العديد من المجتمعات الإفريقية نفسها عرفت أنماطًا مختلفة من العبودية قبل الحقبة الاستعمارية وخلالها، وكان المستعبِد والمستعبَد في جميع الأحيان من نفس العرق ولون البشرة، وهو ما يؤكد أن اختزال القضية في صراع بين المصريين و الذين هم أفارقه ايضا والأفارقة السود البشره لا يعكس الصورة التاريخية الكاملة.
وشددت على أن مصر تمتلك تاريخًا طويلًا من العلاقات الأخوية مع الشعوب الإفريقية، ولعبت دورًا محوريًا في دعم حركات التحرر الوطني ومساندة الدول الإفريقية في مواجهة الاستعمار و التحرر منه. كما أنها ما زالت حتى اليوم شريكًا رئيسيًا في ملفات التنمية والصحة والتعليم وتمكين المرأة في أنحاء القارة.
وقالت: “أشعر بقلق حقيقي من التأثير المحتمل لمثل هذه الأعمال على الأجيال الجديدة من الأفارقة الذين قد يشاهدون الفيلم خارج سياقه التاريخي، فيتكون لديهم انطباع بأن المصريين كانوا يمارسون اضطهادًا عنصريًا ممنهجًا ضد الأفارقة السود البشره ، وهو أمر مغالط الحقائق التاريخية .”
وأضافت: “في وقت تستثمر فيه دول عديدة قوتها الناعمة لتعزيز علاقاتها مع إفريقيا وتقديم روايات إيجابية عن التعاون والتضامن بين الشعوب، يجب أن نكون أكثر حرصًا على تقديم أعمال فنية متوازنة تحترم التاريخ وتدعم مكانة مصر ودورها الحضاري داخل القارة.”
فعلى سبيل المثال، أنتجت الصين أعمالاً سينمائية تبرز قصص التعاون والصداقة مع الشعوب الأفريقية، وتوظف القوة الناعمة لتعزيز حضورها وشراكاتها في القارة. أما نحن، فبدلاً من تقديم أعمال تاريخية متوازنة تبرز الروابط الحضارية والثقافية الممتدة بين مصر وأشقائها الأفارقة، نقدم روايه قد تزرع انطباعات سلبية وغير دقيقة عن المجتمع المصري وتاريخه.
ولهذا كان من الأجدر بصناع الفيلم، إذا أرادوا تقديم قصة رمزية عن الظلم والحرية، أن يضموا شخصيات من خلفيات وأعراق متعددة تعكس التنوع التاريخي الحقيقي للعبودية، أو أن يقدموا العمل باعتباره عملاً خيالياً مستوحى من أحداث عامة دون ربطه بمكان وزمان محددين. كما كان يمكن إضافة تنويه صوتي و كتابي يوضح أن القصة عمل درامي متخيل لا يهدف إلى توثيق أحداث تاريخية بعينها كما ذكرت مسبقا. .
واختتمت د. رشا قلج تصريحها بالتأكيد على أن الفن يمكن أن يكون أداة عظيمة للدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية دون الحاجة إلى تغيير التاريخ او تخيل انطباعات سلبيه أو تقديم سرديات غير موثقة، داعية إلى حوار جاد حول مسؤولية الأعمال الفنية في تشكيل صورة الدول والشعوب أمام العالم، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الهوية الوطنية والذاكرة التاريخية والعلاقات الاستراتيجية بين مصر وشعوب قارتنا الأفريقية الأشقاء .






