المهندس سمير العلايلي : هل آن الأوان لإنشاء منظومة “التنفيذ القضائي” في مصر؟

في يوم 3 يونيو، 2026 | بتوقيت 3:43 م

كتبت: شيرين محمد

اكد المهندس سمير العلايلي الخبير الاقتصادي ان المجتمعات الحديثة تطورًا مستمرًا في منظومة العدالة، ليس فقط من خلال إصدار الأحكام القضائية، وإنما أيضًا من خلال ضمان تنفيذها بصورة فعالة وسريعة وعادلة. فالحكم القضائي، مهما بلغت دقته وعدالته، يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا تعذر تنفيذه أو استغرق تنفيذه سنوات طويلة.

وقد شهد الرأي العام مؤخرًا حادثة مؤسفة نشأت في خلفية نزاع مدني وتجاري بين أطراف خاصة، وانتهت إلى مشاجرات وأعمال عنف وتبادل اتهامات جنائية. وبغض النظر عن تفاصيل الواقعة أو أطرافها، فإنها تعيد طرح سؤال مهم: ماذا يحدث عندما يشعر أصحاب الحقوق بأن تنفيذ الأحكام أو استرداد الحقوق أصبح عملية طويلة ومكلفة وغير مضمونة النتائج؟

في معظم الاقتصادات المتقدمة، توجد حلقة مؤسسية بين القضاء والشرطة تعرف بمنظومة “التنفيذ القضائي”. ففي المملكة المتحدة يوجد ضباط تنفيذ الأحكام (High Court Enforcement Officers)، وفي فرنسا يوجد مفوضو العدالة (Commissaires de Justice)، وتتمثل مهمتهم في تحويل الأحكام القضائية النهائية إلى إجراءات تنفيذية عملية تحت إشراف القضاء ووفق ضوابط قانونية صارمة.

هذه المنظومات لا تمارس سلطة القضاء ولا تحل محل الشرطة، وإنما تعمل كجهاز مهني متخصص لتنفيذ الأحكام المدنية والتجارية، واسترداد الحقوق، وتسليم الممتلكات، وتنفيذ أوامر الإخلاء، وحصر الأصول، واتخاذ إجراءات التنفيذ المقررة قانونًا.

ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: هل يمكن لمصر أن تطور نموذجًا حديثًا للتنفيذ القضائي يعتمد على القطاع الخاص المنظم وتحت الرقابة القضائية الكاملة؟

يمكن تصور إنشاء نظام لترخيص “شركات التنفيذ القضائي” أو “ضباط التنفيذ القضائي”، بحيث تكون هذه الجهات مرخصة وخاضعة لرقابة وزارة العدل بالتنسيق مع وزارة الداخلية، وتلتزم بمعايير مهنية وقانونية واضحة.

وقد تشمل مهامها:

* إعلان الأحكام والإنذارات القانونية.
* متابعة تنفيذ الأحكام المدنية والتجارية.
* حصر الأصول القابلة للتنفيذ بعد صدور الأحكام.
* تنفيذ أوامر التسليم والإخلاء.
* إدارة عمليات التنفيذ وفق إجراءات موثقة ورقمية.
* إعداد تقارير رسمية للمحاكم بشأن مراحل التنفيذ.

وفي المقابل، تظل صلاحيات القبض والتحقيق الجنائي واستخدام القوة الجبرية اختصاصًا حصريًا لأجهزة الدولة، مع إمكانية الاستعانة بالشرطة عند الحاجة للحفاظ على الأمن العام.

إن وجود منظومة متخصصة للتنفيذ القضائي لا يخدم أصحاب الحقوق فقط، بل ينعكس مباشرة على مناخ الاستثمار. فالمستثمر المحلي والأجنبي لا ينظر فقط إلى جودة القوانين أو كفاءة المحاكم، بل ينظر أيضًا إلى السؤال الأهم: هل يمكن تنفيذ الحكم بعد صدوره؟

ولهذا السبب تعتبر كفاءة تنفيذ العقود والأحكام أحد المؤشرات الأساسية التي تقيسها المؤسسات الدولية عند تقييم بيئة الأعمال في الدول المختلفة.

كما أن تطوير قطاع التنفيذ القضائي يمكن أن يخلق صناعة جديدة بالكامل تضم شركات متخصصة، وبرامج تدريب وتأهيل، ومنصات رقمية، وفرص عمل قانونية وإدارية وأمنية، بما يساهم في رفع كفاءة المنظومة الاقتصادية ككل.

إن الهدف ليس منح سلطات إضافية للقطاع الخاص، بل إنشاء إطار مؤسسي حديث يضمن تنفيذ الحقوق بطريقة قانونية ومنظمة، ويقلل من اللجوء إلى النزاعات الشخصية أو محاولات استرداد الحقوق بوسائل غير قانونية.

فالعدالة لا تكتمل بإصدار الحكم فقط، وإنما تكتمل عندما يصبح تنفيذ الحكم أمرًا طبيعيًا وسريعًا ومضمونًا.

وربما يكون الوقت قد حان لفتح نقاش وطني جاد حول إنشاء منظومة مصرية حديثة للتنفيذ القضائي، تواكب أفضل الممارسات الدولية وتدعم جهود الدولة في تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز سيادة القانون وترسيخ الثقة في منظومة العدالة.