بين الضرورة والضغط الاقتصادي… حملات ترشيد الطاقة في مصر هل تنقذ الشبكة من الأزمة؟

حملات حكومية متزامنة من الكهرباء والتعليم العالي لضبط الاستهلاك..

في يوم 8 أبريل، 2026 | بتوقيت 8:33 ص

كتبت: شيرين سامى


د.عبد المسيح سمعان:
نجاح الحملات مرهون بتغيير السلوك لا القرارات فقط..و ينعكس إيجابًا على جودة الهواء والصحة والحد من آثار تغير المناخ

“د.كاميليا يوسف” : نطرح
75 فرصة لترشيد الطاقة.. خطوات بسيطة توفر حتى 80% من الاستهلاك وتدعم الأمن الطاقي

د.حلمي هلال: دعوة لتبني استراتيجية وطنية للأمن القومي الأخضر بتشريعات مُلزمة لكفاءة الموارد

• ترشيد الطاقة في المنازل والمصانع يوفر حتى 25% من الاستهلاك اليومي للكهرباء ويرتفع ل 60% مع دمج الطاقة المتجددة

==========

لم تكن أزمة الطاقة مجرد خبر اقتصادي عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة الموارد تحت ضغط عالمي متصاعد. وبين ارتفاع تكاليف الاستيراد وتزايد الأحمال على الشبكة، دفعت الحكومة المصرية بعدة مسارات متوازية، كان أبرزها إطلاق حملات ترشيد استهلاك الطاقة التي قادتها جهات رسمية متعددة، على رأسها وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، في محاولة لاحتواء الموقف قبل تحوله إلى أزمة أعمق.
وزارة الكهرباء لم تكتفِ بالتصريحات أو الإرشادات العامة، بل دفعت بحملات ميدانية موسعة داخل شركات الإنتاج والتوزيع، مستهدفة التأكد من الالتزام الفعلي بإجراءات الترشيد، ومراقبة تطبيق قرارات مجلس الوزراء، حيث اصظر الدكتور محمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة المتجددة ، تعليمات مشددة خاصة ما يتعلق بتقليل الأحمال والعمل عن بُعد.
هذه الحملات حملت طابعًا رقابيًا واضحًا، حيث امتزج التوجيه بالإلزام، في رسالة مفادها أن الترشيد لم يعد خيارًا، بل ضرورة تشغيلية لضمان استقرار الشبكة.

بالتوازي، دخلت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على خط المواجهة حيث أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبد العزيز قنصوة عن إطلاق حملة «وفرها… تنورها»، مستهدفة شريحة الشباب داخل الجامعات.
الحملة لم تكن مجرد نشاط توعوي، بل محاولة لبناء وعي طويل الأمد قائم على تغيير السلوك الاستهلاكي، وتشجيع الطلاب على تبني حلول مبتكرة في كفاءة الطاقة، في إدراك متزايد أن الأزمة لن تُحل فقط بقرارات حكومية، بل بثقافة مجتمعية جديدة.
أما على مستوى الدولة ككل، فقد تزامنت هذه الحملات مع إجراءات تنظيمية صارمة شملت تبكير مواعيد غلق المحال، وتقليل الإضاءة العامة، وتطبيق العمل عن بُعد، وهي قرارات لم تكن منفصلة عن الحملات، بل شكلت الإطار التنفيذي لها، بما يعكس انتقال الدولة من مرحلة “الدعوة إلى الترشيد” إلى “فرضه كسياسة عامة”.
ومع هذا الحراك المكثف، ترصد “العالم اليوم” آراء الخبراء حول جدوى ترشيد استهلاك الطاقة والحملات المطلقة وحدود تأثيرها..

تغيير السلوك

يرى الدكتور عبد المسيح سمعان استاذ الدراسات والتوعية البيئية جامعة عين شمس ؛أن حملات ترشيد استهلاك الكهرباء تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تحقق أثرها الكامل إلا إذا تحولت من مبادرات توعوية مؤقتة إلى برامج تعليمية وسلوكية مستدامة تُدمج في المدارس ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع.

ويؤكد أن نجاح هذه الحملات يرتبط بقدرتها على تبسيط مفاهيم الطاقة للمواطنين وربطها بالحياة اليومية، بحيث يدرك الفرد أن كل سلوك صغير—مثل إطفاء الأجهزة غير المستخدمة أو استخدام الإضاءة الموفرة—ينعكس مباشرة على تقليل الفاتورة وحماية البيئة في الوقت نفسه.

ويضيف أن تعزيز الوعي البيئي منذ المراحل التعليمية المبكرة يُعد حجر الأساس في بناء مجتمع أكثر التزامًا بكفاءة الطاقة، مشددًا على أن الترشيد ليس مجرد استجابة مؤقتة للأزمات، بل ثقافة يجب أن تُزرع وتستمر، لأنها تحقق توازنًا بين الاستدامة الاقتصادية وحماية البيئة للأجيال القادمة.

وفى هذا السياق ، يؤكد د.عبد المسيح، أن ترشيد استهلاك الكهرباء يمثل أحد أهم أدوات إدارة الموارد في الوقت الراهن، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على قطاع الطاقة وارتفاع معدلات الاستهلاك، موضحًا أن تنظيم استخدام الكهرباء، ومنها ضبط تشغيل المحال خلال فترات الذروة، يمكن أن يسهم في تخفيف الأحمال على الشبكة وتحسين كفاءة توزيع الطاقة دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي إذا طُبق بصورة متوازنة ومدروسة.
ويضيف أن الترشيد لا يقتصر على البعد الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى أبعاد بيئية مهمة، حيث يؤدي خفض استهلاك الكهرباء إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستخدم في محطات التوليد، وبالتالي خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والملوثات الهوائية، بما ينعكس إيجابًا على جودة الهواء والصحة العامة والحد من آثار تغير المناخ.
ويؤكد أن نجاح سياسات ترشيد الاستهلاك يرتبط بقدرتها على التحول من إجراءات مؤقتة إلى سلوك مجتمعي دائم، مشددًا على أن الترشيد الحقيقي لا يتحقق عبر القرارات التنظيمية فقط، بل من خلال نشر ثقافة الاستخدام الكفء للطاقة، والتوسع في حلول مستدامة مثل الطاقة الشمسية، وتحسين كفاءة الأجهزة الكهربائية، بما يحقق وفورات مستمرة اقتصاديًا وبيئيًا على المدى الطويل.

فرص و رؤى

قدمت الدكتورة كاميليا يوسف ، عضو المجلس الاستشاري العلمى -للمجلس العربى للطاقة المستدامة، ومستشار كفاءة الطاقة وترشيد الاستهلاك بجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك -مجموعة من الرؤى والتوصيات العملية الهادفة إلى رفع كفاءة استخدام الطاقة داخل مختلف القطاعات، من خلال كتابها الصادر بعنوان «ترشيد استخدام الطاقة (75 فرصة)»، والذي يقدم إطارًا تطبيقيًا لتحويل السلوك الاستهلاكي اليومي إلى أداة فعالة لخفض الهدر وتعظيم كفاءة الاستخدام، مؤكدة أن ترشيد الطاقة لم يعد خيارًا ثانويًا بل ضرورة اقتصادية وبيئية وأمنية.
وتوضح الدكتورة كاميليا يوسف أن تطبيق ممارسات الترشيد في المنازل والمصانع يمكن أن يحقق وفورات في استهلاك الكهرباء تصل إلى 25% من الاستهلاك اليومي، وقد ترتفع إلى 60% عند دمج حلول الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، مشيرة إلى أن قطاعي الصناعة والتجارة يمتلكان فرصًا كبيرة لتحقيق هذه الوفورات عبر تحسين كفاءة التشغيل وإدارة الأحمال وتقليل الفاقد.
وتؤكد أن استخدام لمبات LED يحقق وفرًا قد يصل إلى 80% من استهلاك الإضاءة، بينما يسهم ضبط أجهزة التكييف على درجات تتراوح بين 24 و26 درجة في خفض الاستهلاك بنسبة 20 إلى 30% طبقا لنوع التكييف، ويؤدي تحسين العزل الحراري للمباني إلى تقليل استهلاك التبريد والتدفئة بنسبة قد تصل إلى 30–40%. وتضيف أن الاعتماد على الأجهزة عالية الكفاءة يحقق وفورات تتراوح بين 20 و50% من الاستهلاك الكلي للطاقة.
كما تشير إلى أن إطفاء الأجهزة غير المستخدمة يقلل الاستهلاك بنسبة 10–15%، في حين يحد فصل الشواحن بعد الاستخدام من الاستنزاف الخفي للطاقة، لافتة إلى أن تشغيل الغسالات بكامل حمولتها يوفر نحو 25% من الطاقة والمياه، وأن تقليل فتح باب الثلاجة بشكل متكرر يسهم في خفض الاستهلاك بنسبة 5–10%. وتوضح كذلك أن الاعتماد على الإضاءة الطبيعية خلال ساعات النهار يحقق وفرًا يقارب 15% من استهلاك الكهرباء اليومي.
وتشدد على أن ترشيد استهلاك الطاقة لا ينعكس فقط على الفاتورة الشهرية، بل يمتد أثره إلى دعم الاقتصاد الوطني عبر خفض فاتورة استيراد الوقود وتقليل الانبعاثات الكربونية، مؤكدة أن نشر الوعي المجتمعي وتبني سلوكيات الترشيد في المنازل والمصانع يمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق استدامة الطاقة وتحويل كل فرد إلى شريك فاعل في حماية الموارد.

أمن قومى

في رؤية تعكس إدراكًا متقدمًا لتحديات المرحلة، شدد د.م.محمد حلمي هلال رئيس جمعية مهندسي ترشيد وكفاءة الطاقة ، ورئيس مجلس إدارة مصنع فيوتك لإنتاج معدات ترشيد الطاقة ، خلال كلمته بالمنتدى المصري لتنمية القيم الوطنية على أن مفهوم الأمن القومي لم يعد مقتصرًا على الأدوات التقليدية، بل بات يرتكز بصورة متزايدة على حسن إدارة الموارد وكفاءة استخدامها.
وأوضح د.هلال أن ملفات المياه والطاقة والزراعة تجاوزت حدودها الفنية لتصبح عناصر حاكمة في معادلة الأمن القومي، خاصة في ظل ندرة الموارد والتغيرات المناخية، وهو ما يجعل من الكفاءة أداة سيادية فاعلة تسهم في تقليل الضغوط على الموارد وتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
وأشار إلى أن التحول المطلوب لا يعني فرض تقشف مؤقت، بل تبني نموذج مستدام قائم على تحقيق أعلى إنتاجية بأقل موارد ممكنة، مع ضرورة إشراك المواطن كشريك أساسي في هذه المنظومة، عبر نشر ثقافة الترشيد وتحويلها إلى سلوك يومي مرتبط بحماية الوطن.
كما دعا د.هلال إلى تبني استراتيجية وطنية ممتدة للأمن القومي الأخضر خلال الفترة من 2026 إلى 2035، تقوم على تطوير تشريعات ملزمة لكفاءة الموارد، وربط منح التراخيص الصناعية والزراعية بالالتزام بمعايير واضحة، إلى جانب دعم الصناعة المحلية للتقنيات الموفرة للطاقة والمياه، والتوسع في تطبيق نظم الري الذكي والطاقة الشمسية.
وأكد أن غياب معايير الكفاءة ينعكس سلبًا على الاقتصاد من خلال زيادة الاعتماد على الخارج وارتفاع كلفة الدعم، فضلًا عن تعريض البنية الإنتاجية لمخاطر الأزمات العالمية، في حين أن ترسيخ هذه المعايير يعزز القدرة التنافسية ويحد من الضغط على العملة الأجنبية، ويُحصّن الدولة في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة والغذاء. وفي السياق ذاته، لفت إلى أن تحقيق التنمية والاستثمار يظل مرهونًا بتوافر بيئة آمنة ومستقرة، مشيدًا بالدور الذي تقوم به مؤسسات الدولة في ترسيخ هذا الاستقرار، ومؤكدًا أن الحفاظ عليه يتطلب ترسيخ القيم الوطنية في وجدان المجتمع.
واختتم بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تفرض خيارًا حاسمًا: إما تبني الكفاءة كمسار يقود إلى القوة والسيادة، أو استمرار الهدر بما يحمله من مخاطر على استقرار الدولة ومستقبلها.

وفي خضم هذه الرؤى، يبرز تساؤل جوهري تطرحه ” العالم اليوم”:
هل نجحت الحملات بالفعل؟

والإجابة: تشير المؤشرات الأولية إلى انخفاض نسبي في الأحمال، والتزام ملحوظ داخل المؤسسات الحكومية، إلا أن هذا النجاح يظل مرتبطًا بعوامل ظرفية، أبرزها قوة الرقابة، وليس بالضرورة تغيرًا عميقًا في سلوك المستهلك.
اللافت أن التجربة كشفت عن معادلة دقيقة تحكم ملف الطاقة في مصر اليوم؛ فبينما تفرض الضرورة إجراءات سريعة وحاسمة، تظل الحاجة قائمة إلى حلول هيكلية طويلة المدى، تضمن استدامة الموارد دون تحميل الاقتصاد أعباء إضافية. وفي هذا السياق، تبدو حملات الترشيد، رغم أهميتها، مجرد خطوة في طريق أطول، عنوانه الحقيقي: الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة طاقة أكثر كفاءة واستدامة.