التعداد الاقتصادي 2022/2023: قراءة نقدية وفق المعايير الدولية تكشف فجوات منهجية تهدد مصداقية البيانات وقرارات التنمية الوطنية 

في يوم 2 أبريل، 2026 | بتوقيت 7:44 م

كتب: فتحى السايح

 

كتب فتحي السايح

قال الخبير الاقتصادي: دكتور عصام درويش دكتوراه في الاقتصاد – رئيس مجلس أمناء مؤسسة المالك للتنمية الإنسانية تُعد التعدادات الاقتصادية العمود الفقري لأي نظام إحصائي قومي، بوصفها الآلية الأهم لرصد كامل المنشآت الاقتصادية وتوفير قاعدة بيانات شاملة لمقومات النشاط الاقتصادي في القطاعات العامة والخاصة، وهو ما يشكل أساساً متيناً للحسابات القومية ورصد الناتج المحلي الإجمالي على المستويين الكلي والإقليمي.

وأضاف من منطلق خبرته العملية كمنسق عام لبروتوكول التعاون بين جهاز تنمية المشروعات والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء منذ أكتوبر 2019، ومشاركتي المباشرة في إعداد التعدادين الخامس والسادس، أقدم هذه القراءة النقدية التي تستند إلى معايير دولية معتمدة وتسلط الضوء على الفجوات المنهجية في التعداد الأخير. فبالنظر إلى الالتزام بالتعاريف الواردة في القانون رقم 152 لسنة 2020،

معايير مزدوجة

واكد د. درويش نلاحظ أن المادة الأولى منه حددت معايير مزدوجة لتصنيف المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر تعتمد على عدد العمال وإجمالي الإيرادات أو الأصول، إلا أن المراجعة المنهجية لوثائق التعداد السادس كشفت عن استمرار غموض التطبيق الموحد لهذه التعريفات جغرافيا، حيث ظهرت تباينات واضحة في تصنيف منشآت متشابهة بين المحافظات، مما ينسف دقة المقارنات الإقليمية ويهدد مصداقية البيانات القومية، في مخالفة صريحة لمعايير شعبة الإحصاء بالأمم المتحدة التي تشدد على ضرورة توحيد تعاريف حجم المنشأة عبر جميع الوحدات الجغرافية.

القطاع الغير رسمى

وفي السياق ذاته، قال درويش عرف القانون القطاع غير الرسمي بأنه المنشآت غير الحاصلة على سجلات تجارية أو بطاقات ضريبية، ورغم التأكيد البروتوكولي على أهمية الحصر الشامل لهذا القطاع، فإن التقرير النهائي للتعداد 2022/2023 خلت من منهجية واضحة ومعلنة توضح كيفية تحديد حجمه بدقة أو دمج بياناته في الحسابات القومية أو قياس مساهمته الفعلية في الناتج المحلي، وهو ما يتعارض مع معايير منظمة العمل الدولية التي تلزم التعدادات الاقتصادية باعتماد منهجيات محددة لقياس القطاع غير الرسمي وفق الإطار الإحصائي الدولي ICSE-18.

القيمة المضافة

ويؤكد افتقر التقرير  أيضا إلى التفصيل الكافي للمشروعات الصناعية وفق التصنيف الدولي الموحد للنشاط الاقتصادي ISIC Rev.4، خاصة في التمييز الدقيق بين الصناعات التحويلية والاستخراجية وقياس القيمة المضافة الحقيقية وتحديد نسبة المكون المحلي، مما يحيد عن توصيات منظمة التنمية الصناعية التابعة للأمم المتحدة التي تؤكد على ضرورة فصل البيانات الصناعية وفق هذا التصنيف لتمكين المقارنة الدولية.

جودة البيانات

واشار  الى ان إشكالية منهجية أخرى تنبع من عدم وضوح مصير المشروعات الكبيرة في التعداد، فرغم نص القانون رقم 152 لسنة 2020 صراحة على اقتصار اختصاص جهاز تنمية المشروعات على الفئات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر فقط، وتأكيده في بروتوكول التعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة على هذا القيد، إلا أن التقرير النهائي لم يوضح بشكل قاطع ما إذا تم استبعاد المنشآت الكبيرة التي يتجاوز عدد عماليها 250 عاملاً أو إيراداتها 50 مليون جنيه من القاعدة البياناتية، موضحا هو غموض يخالف روح القانون المستهدف لفئات محددة ويستدعي تطبيق معيار صندوق النقد الدولي الذي يوجب وضوح حدود حجم المنشأة في المنهجية الإحصائية لضمان اتساق البيانات مع الأطر القانونية الوطنية. وبالنسبة لمعايير جودة البيانات القومية، فإن التعداد حقق تغطية جغرافية شاملة لكافة المحافظات، لكنه ظل قاصراً في تبيان التغطية القطاعية والحجمية بشكل مفصل، والأهم من ذلك أنه لم يقدم مقارنة منهجية مع التعداد السابق 2017/2018 لرصد اتجاهات التغير في أعداد المنشآت وتوزيعها الجغرافي ومساهمتها في الناتج المحلي، مما يفقد التعداد قيمته الزمنية كرصيد لرصد التنمية، خلافاً لمعايير البنك الدولي التي تشترط إتاحة مقارنات زمنية ذات دلالة. كما يفتقد التقرير الشفافية المنهجية اللازمة، حيث غاب الفصل التوضيحي لمنهجية أخذ العينات إن وجدت، وأدوات جمع البيانات سواء الإلكترونية أو الورقية، وآليات التحقق من الجودة، ومعدلات الاستجابة التفصيلية حسب المحافظة، وطرق معالجة البيانات المفقودة، وهو نقص جوهري يتعارض مع معايير صندوق النقد الدولي لجودة البيانات DQAF التي تؤكد على وجوب توثيق المنهجية الإحصائية ونشرها للعموم لضمان المصداقية.

معالجة الثغرات

ويطالب د. درويش من هذا المنطلق، فإن معالجة هذه الثغرات تتطلب تبني حزمة متكاملة من التوصيات التحسينية على المستويات الفنية والمنهجية والقانونية، تبدأ بإصدار دليل موحد ودقيق لتعريفات حجم المنشأة يُلزم جميع المحافظات بالتطبيق المتطابق، وإدراج فصل منهجي مستقل يوضح آليات حصر وقياس القطاع غير الرسمي ودمجه في الحسابات القومية، فضلاً عن اعتماد التصنيف الدولي الموحد ISIC Rev.4 بشكل كامل لضمان الدقة الصناعية، ونشر قاعدة البيانات بصيغ مفتوحة وقابلة للتحليل مثل CSV وExcel وواجهات البرمجة API لتمكين الباحثين وصناع القرار. على الصعيد المنهجي، يجب إصدار وثيقة منهجية مستقلة ومفصلة تشرح عمليات الجمع والمعالجة، وإرفاق جداول مقارنة زمنية مع تعدادي 2012 و2017، والإعلان العلني عن معدلات الاستجابة والدقة لكل محافظة، وإخضاع المنهجية لمراجعة أقران من خبراء إحصائيين مستقلين. قانونياً، يتعين التأكيد الصريح على استبعاد المشروعات الكبيرة من نطاق بيانات الجهاز تماشيًا مع القانون 152/2020، وتوضيح إجراءات حماية الخصوصية وفقاً لقانون حماية البيانات الشخصية، وربط كل فئة منشآت بالإطار القانوني المنظم لها بدقة. إن التعدادات الاقتصادية ليست مجرد أرقام تُجمع، بل هي بوصلة صناعة القرار الوطني، ومصداقيتها مرهونة بالالتزام الحرفي بالتعاريف القانونية، والتطبيق الصارم للمعايير الدولية للجودة، والشفافية المطلقة في المنهجية، وإتاحة البيانات بشكل يخدم البحث العلمي والسياسات العامة. ومن هنا أدعو الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، من منطلق المسؤولية الوطنية والمهنية، إلى إصدار تقرير منهجي ملحق يغطي كل الجوانب الغائبة، وتصحيح المسار الآن خير من رهان السياسات الاقتصادية على بيانات غير متوافقة مع القانون، فالدقة الإحصائية هي الضامن الحقيقي للتنمية المستدامة، والالتزام بالقانون هو الكفيل ببقاء هذه البوصلة دقيقة وموثوقة.