كارين ياسر توفيق حليم : اللون الوردي ليس مجرد لون… بل هو الثمن الخفي الذي تدفعه النساء

في يوم 1 أبريل، 2026 | بتوقيت 12:29 ص

كتبت: شيرين محمد

اكدت كارين ياسر توفيق حليم انه لأجيالٍ طويلة، ظلت النساء حول العالم يدفعن مبالغ أكبر من الرجال مقابل مشتريات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها—من شفرات الحلاقة ومزيلات العرق إلى الألعاب ومنتجات العناية بالشعر وحتى مساحيق الغسيل. هذا الارتفاع غير المرئي في الأسعار، المعروف عالميًا باسم الضريبة الوردية (Pink Tax)، ليس ضريبة حكومية، بل هو استراتيجية تسعير خفية مترسّخة في الأسواق العالمية.

المثير للدهشة، والمقلق في الوقت نفسه، هو أن ملايين النساء يعلمن بوجود هذه الضريبة، ورغم ذلك يواصلن شراء المنتجات نفسها التي تُباع لهن بسعر أعلى. لماذا يحدث هذا؟ وما الذي يجعل هذه الظاهرة مستمرة؟ وكيف تحافظ العلامات التجارية على مبيعات قوية رغم تزايد الانتقادات؟

تكشف دراسة حديثة أُجريت في مصر على عينة مكوّنة من 407 مستهلكين باستخدام علامة جيليت كحالة دراسية، عن مفارقة نفسية وتسويقية عميقة: النساء يدركن عدم عدالة التسعير… لكنهن يثقن في العلامة التجارية بما يكفي لدفع المبلغ الإضافي.

هذا المقال يسلّط الضوء على أهم نتائج الدراسة، ويشرح ما تعنيه للمستهلكين وللشركات على حد سواء.

ما هي الضريبة الوردية؟

تشير الضريبة الوردية إلى الفروق بين أسعار المنتجات المخصصة للنساء وتلك المخصصة للرجال، رغم أن المنتجات غالبًا تكون متشابهة في الوظيفة والجودة.

فمثلًا، قد تختلف شفرة الحلاقة النسائية عن الرجالية في اللون أو الرائحة أو شكل العبوة فقط—ومع ذلك تُباع بسعر أعلى.

وتُظهر الدراسات العالمية أن:

منتجات النساء غالبًا تحمل أسعارًا أعلى من المنتجات المماثلة للرجال.
التغليف “الأنثوي” والألوان العاطفية تُستخدم لتبرير الفروق في السعر.
المنتجات اليومية مثل العناية الشخصية، الملابس، الألعاب، وحتى المنتجات الصحية، تظهر فيها بوضوح فروق تسعير مبنية على النوع الاجتماعي.

الضريبة الوردية ليست مسألة تكلفة، بل مسألة تسويق، وإدراك المستهلك، وصناعة صورة نمطية.

السوق المصرية: أول دراسة من نوعها حول الضريبة الوردية

قدّمت الدراسة واحدة من أوائل التحليلات العلمية في الشرق الأوسط التي تبحث في كيفية تأثير الوعي بالضريبة الوردية على:

قيمة العلامة التجارية
اتجاهات المستهلكين
النية الشرائية

من شارك في الدراسة؟

407 مستهلكين مصريين
76% منهم من النساء
الغالبية بين عمر 17 و24 عامًا
جميعهم مستخدمون لمنتجات جيليت

هذه الفئة تُعد واعية بالعلامات التجارية ولديها حس اجتماعي متصاعد، مما يجعل آرائها ذات أهمية خاصة.

ماذا كشفت نتائج الدراسة؟ مفارقة غير متوقعة

جاءت النتائج مخالفة لما يتوقعه كثير من المسوّقين ونشطاء حقوق المستهلك.

المستهلكون يعرفون أن الأسعار غير عادلة

أقرّ المشاركون بوضوح بوجود فروق سعرية بين منتجات النساء والرجال، واعتبر معظمهم هذه الفروق غير مبررة وغير عادلة.

لكنهم ما زالوا يثقون في العلامة التجارية

رغم وعيهم، أبقى المستهلكون على اتجاهات إيجابية نحو جيليت، معتبرين أن العلامة تتميز بـ:

جودة الأداء
الموثوقية
الاعتياد والراحة النفسية

أي أن الضريبة الوردية تؤثر على الإحساس بالعدالة، لكنها لا تقلل من الثقة أو الاستخدام.

وما زالوا يشترون المنتج

أظهرت الدراسة وجود علاقة إيجابية ضعيفة إلى متوسطة بين الوعي بالضريبة الوردية والنية الشرائية.
بمعنى:

الوعي لا يمنع الناس من الشراء.

فالناس يعترضون على التسعير، لكنهم يواصلون شراء المنتجات ذاتها.

وهذه هي مفارقة الضريبة الوردية.

لماذا تستمر النساء في الشراء؟ ثلاثة أسباب رئيسية

أوضحت الدراسة عدة مبررات وراء استمرار ولاء المستهلكات حتى مع شعورهن بالاستغلال:

الوظيفة أهم من السعر

كان العامل الأكثر تأثيرًا في قرار الشراء هو أداء المنتج وليس سعره.

النساء يهتممن بالسلاسة والدقة والجودة في الشفرات—وإذا كان المنتج يقدم أداءً جيدًا، يصبح فرق السعر أقل أهمية.

الألفة تبني الثقة

لجيليت حضور تاريخي طويل في السوق المصرية. والألفة تخلق إحساسًا بالراحة وتقلل من مخاطر تجربة منتج جديد.

وتعرف هذه الظاهرة نفسيًا باسم تأثير التعرض المتكرر.

غياب البدائل المقنعة

ترى كثير من النساء أن البدائل الأخرى أقل جودة أو أقل موثوقية. وفي غياب خيارات قوية، يصبح تغيير العلامة أمرًا غير مرغوب فيه، حتى لو كان السعر غير عادل.

تأثير الضريبة الوردية على قيمة العلامة التجارية

المفاجأة أن الضريبة الوردية لم تُضعف قيمة العلامة التجارية بشكل كبير.

فقد ظلت جيليت قوية في:

الوعي بالعلامة
الجودة المُدركة
السمعة والانطباعات
الولاء

هذا يشير إلى أن الصورة الذهنية القوية قادرة على امتصاص تأثير ممارسات التسعير المثيرة للجدل.

لكن هذا التأثير ليس دائمًا. فمع تنامي الوعي المجتمعي، قد تواجه العلامات التي تتجاهل العدالة مخاطر مستقبلية.

اتجاهات المستهلكين: صراع بين القيم والسلوك

وجدت الدراسة أن المستهلكين يعارضون الضريبة الوردية أخلاقيًا، لكن سلوكهم الشرائي لا يعكس دائمًا قناعاتهم. وهذا التناقض شائع في علم السلوك الاقتصادي.

فالناس قد يفكرون بطريقة… ويتصرفون بطريقة أخرى—خاصةً عندما يتعلق الأمر بالراحة أو الأداء.

ماذا يجب أن تتعلم العلامات التجارية؟

أبرزت الدراسة عدة توصيات مهمة للشركات:

التركيز على الأداء

بما أن الأداء هو العامل الأهم، يجب على العلامات تعزيز ميزاتها الوظيفية وجودتها وراحتها.

تجنب التسعير القائم على النوع

يقدر المستهلكون اليوم العدالة. والتسعير المحايد بين الجنسين يعزز الثقة.

التواصل بشفافية

العلامات التي تعترف بمخاوف المستهلكين تكسب مصداقية إضافية.

الاستثمار في العلامات الأخلاقية

المرأة—خصوصًا من الجيل الجديد—تطلب الشفافية والعدالة والمساواة.

جرس إنذار للمسوّقين

توضح النتائج أن الولاء للعلامة قد يحمي الشركات مؤقتًا من الانتقادات، لكنه لا يحميها إلى الأبد. فالسوق يتغير، والمستهلكون أصبحوا أكثر وعيًا وجرأة في التعبير عن آرائهم.

على العلامات التجارية أن تتبنى العدالة، لا أن تختبئ خلف عبوات وردية.

الخلاصة: الوردي لا ينبغي أن يكون ثمنًا

الضريبة الوردية ظاهرة عالمية، لكن استمرارها يعتمد على سلوك المستهلكين. وتكشف الدراسة أن المستهلك المصري أصبح أكثر وعيًا وانتقادًا لهذه الممارسات، لكنه ما زال يولي أهمية أكبر لجودة المنتج وثقته بالعلامة.

هذا التناقض يحمل إنذارًا… لكنه أيضًا فرصة.

فالعلامات التجارية التي تتجاوب مع هذا الوعي وتتبنى تسعيرًا عادلًا ستقود مستقبلًا أكثر عدالة ووعيًا.
لأن الوردي في عصرنا ليس مجرد لون—ولا ينبغي أن يكون “رسومًا إضافية” تُفرض على النساء.