رانيا حمود المدير التنفيذي لمؤسسة” بريك ثرو” للابحاث والتنمية محذرة ل ” العالم اليوم”: الاقتصاد العالمي يمر باوضاع شبيهة بأزمة كساد 1929..وركود تضخمي أعقد واسوء تواجههه الدول
في يوم 31 مارس، 2026 | بتوقيت 6:43 ص

كتب: مني البديوي
” الوضع في 2026 لا يكرر ما حدث في عام 1929 حرفياً لكنه يشترك معه في عوامل الخطر الكبرى.. أسواق مالية متضخّمة في الغرب وحروب تجارية مشتعلة “الرسوم الجمركية الأمريكية” وضعف في التنسيق الدولي في أضعف حالاته منذ الحرب الباردة.. فضلاً عن صدمة طاقة غير مسبوقة …” بهذه العبارات التي عقدت مقارنة شديدة الخطورة بين وضع الاقتصاد العالمي الان وفترة أزمة الكساد الكبير التي مر بها العالم في عام 1929 تحدثت رانيا حمود المدير التنفيذي لمؤسسة” بريك ثرو” للابحاث والتنمية واستشاري السياسات والتطوير المؤسسي والتحول الرقمي في حوارها مع ” العالم اليوم ” حول الأوضاع الراهنة ، موضحة ان الفارق الحاسم هذه المرة بين الوضع الآن وما شهده الاقتصاد العالمي في 1929 ان التضخم عام 1929 كان الخطر انكماشياً الأسعار تنخفض والطلب ينهار اما اليوم يواجه صانعو السياسة الأسوأ الركود التضخمي تضخمٌ في الأسعار مقترن بتراجع النمو والبنوك المركزية محاصرة: رفع الفائدة يخنق النمو وخفضها يُشعل التضخم !!.
واردفت : اننا كثيراً ما نستحضر الكساد الكبير عام 1929 للتحذير أو للمبالغة لكن القراءة الهادئة لمقدماته تكشف أوجه شبه مقلقة بالوضع الراهن قبيل الانهيار حيث عاش العالم “عقداً ذهبياً” من المال الرخيص والمضاربة المحمومة حين انهارت بورصة وول ستريت في أكتوبر 1929 و كشف الانهيار هشاشة بنيوية متراكمة ديوناً مرتفعة وفقاعات سلعية وبنوكاً مكشوفة ثم جاءت الأخطاء السياسية لتحوّل الأزمة إلى كارثة حيث رفعت الحكومات الضرائب في أسوأ توقيت ممكن ورفعت الفائدة خنقاً للائتمان، وأشعلت الحروب التجارية بدل التنسيق الدولي و النتيجة كانت تراجع الناتج الأمريكي 30%، وبطالة وصلت 25%، وانكماش التجارة العالمية 65% واستمر الكساد عشر سنوات!!.
واكدت ” حمود” ان الاقتصاد العالمي متوقع ان يمر بركود تضخمي أعقد مما حدث في عام 2008 حيث انه في 2007 كان الاقتصاد العالمي ينمو بـنحو 5.2% ثم هوى إلى 2% عام 2009 اي انه تراجع 3.2 نقطة في عامين والاقتصادات المتقدمة سقطت من 2.6% إلى سالب 3.4% بحسب البنك الدولي لكن الطبيعة الجوهرية لتلك الأزمة كانت انكماشية انهار الطلب وهوت أسعار السلع معاً فتمتّع الاحتياطي الفيدرالي بحرية خفض الفائدة من 4.25% إلى الصفر دون قلق من التضخم اما اليوم فالمشهد معكوس تماماً النمو العالمي قبل الصدمة كان 3.2% فقط أدنى بكثير من 2007 لكن التضخم يسبق الصدمة لا يلحقها و هذا هو الفخ الكلاسيكي تكاليف أعلى مع مبيعات أقل في آنٍ واحد.
واوضحت ان قنوات انتقال الصدمة تتمثل في أغلاق مضيق هرمز أمام 20% من إمدادات النفط العالمي أي 17 مليون برميل يومياً وفي الوقت ذاته أوقفت قطر إنتاجها من الغاز المسال بعد ضربات رأس لفان و قفز برنت 15% في الأيام الأولى ليصل إلى 113 دولاراً بمنتصف مارس، لافتة الي ان الثلاث قنوات تنقل الصدمة إلى الاقتصاد الحقيقي: التضخم المُستورد تكاليف الطاقة في كل سلعة تقريباً ترتفع أولاً في التضخم الرئيسي ثم تتسرب إلى التضخم الجوهري عبر النقل والتصنيع وتعطل سلاسل الإمداد 170 سفينة حاوية محتجزة، وتكاليف الشحن الجوي ارتفعت 400% في 48 ساعة ، وتراجع الثقة S&P 500 هبط 6%، وKOSPI الكوري سقط 12% في يوم واحد اي تأثير ثروة سلبي يُقلّص الإنفاق ويُعيق الاستثمار.
واكدت ان مصر تمتلك ما يلزم للصمود من حيث وجود احتياطيات وبرنامج إصلاح وشركاء دوليون يُدركون ثقلها الاستراتيجي ولكن الصمود وحده لن يبني الحقبة الجديدة و ما يبنيها هو تحوّل في مصادر الطاقة يُقلّل الاعتماد الاستيرادي وتنويع في مصادر الدخل يُخفف انكشاف قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج واستثمار في رأس المال البشري يُموضع مصر في اقتصاد الذكاء الاصطناعي والرقمنة وعدالة توزيعية تجعل النمو رصيداً للاستقرار لا فتيلاً للانفجار.
و اوضحت ” حمود” ان مصر دخلت عام 2026 في وضع أفضل نسبياً من 2022 من حيث تضخم يتراجع ونمو يتسارع وبرنامج إصلاح مع صندوق النقد يُحقق تقدماً لكن الحرب ضربت 3 شرايين في آنٍ واحد: قناة السويس التي كانت تتعافى ببطء، وإمدادات الغاز التي أوقفتها إسرائيل وقطر، والجنيه الذي تجاوز 52 مقابل الدولار مع خروج 4 مليارات دولار في أسبوعين، علاوة علي انه في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب انخفضت الصادرات 77%، وهوت الصادرات للسعودية 83% وللإمارات 90% بحسب وثيقة لوزارة المالية.
وقالت ان الحكومة المصرية تحركت بسرعة أُشيد بها دولياً حيث تم رفع أسعار الوقود بنسبة تراوحت من 14 الي 30%، وتأمين 75 شحنة غاز مسال إضافية من مصادر بديلة، وغرفة عمليات للمتابعة اللحظية وقيادة وساطة دبلوماسية ثلاثية مع تركيا وعُمان. والاحتياطيات عند 53 مليار دولار مع صافي أصول أجنبية قياسي بلغ 29.5 مليار دولار.
واضافت ان هناك 3 ثغرات فقط تستوجب معالجة تتمثل في خطر الأموال الساخنة بتدفقات خارجة صافية بلغت 4 مليارات دولار في أسبوعين وهو أكبر خروج منذ 2022 ، واتساع عجز الحساب الجاري من 15 مليار دولار (التوقع الأساسي) إلى 24 مليار دولار في ظل الأزمة ، والتضخم عند 13% لم يُكسَر بعد، وأي ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة والغذاء يُعيده إلى مستويات تُقوض القوة الشرائية.
واكدت انه حين انهار الاقتصاد العالمي في 2008 حافظت مصر على نمو 4.7% بينما انكمشت روسيا 7.8% والمكسيك 6.5%، مشيرة الي وجود 5 عوامل كانت وراء ذلك تمثلت في اولا: العزل المالي الهيكلي حيث ان البنوك المصرية كانت شبه خالية من المشتقات المالية والمنتجات الائتمانية المُهيكَلة و ما بدا تخلفاً مالياً تحوّل إلى درع واق، وثانيا : التحفيز السريع من خلال حزمة إنفاق مستهدفة سرّعت المشاريع الاستثمارية كثيفة العمالة وضخّت الطلب المحلي حين تراجع الخارجي ، وثالثا : المرونة النقدية المحسوبة حيث تم خفض الفائدة 6 مرات في 7 أشهر مع سماح محسوب لتراجع الجنيه 6% قبل أن يعود.
واردفت ” حمود ” في الحديث عن العوامل التي كانت وراء حفاظ مصر علي معدلات النمو وقت أزمة 2008 ، موضحة انها تضمنت ايضا زخم النمو السابق بين 2003 و2008 حيث تضاعفت الصادرات 3 مرات وقفزت السياحة 60% مما خلق طاقة احتياطية استمدّ منها الاقتصاد عافيته ، والدين عند 20% من الناتج وهو هامش مناورة مريح لم يعد موجوداً اليوم ، اما الثمن الخفي كان درس 2011
النمو الذي لم يُرافق بعدالة توزيعية أشعل الاحتقان .
واضافت انه في 2026 البنك الدولي قدر أن الفقر ارتفع نحو 5 نقاط مئوية بين 2022 و2024 ولذلك لا يمكن الاكتفاء اليوم بمؤشرات الاقتصاد الكلي وإهمال التضخم الذي يأكل دخول المواطنين.
ولفتت الي دور التحالفات الدولية والإقليمية ، موضحة انه في عام 2008 كانت قمة مجموعة العشرين في واشنطن في نوفمبر بعد شهرين فحسب من انهيار ليمان براذرز هي الاستجابة المؤسسية الأسرع في تاريخ الأزمات الاقتصادية حيث التزمت الدول الكبرى بتنسيق موقف نقدي ومالي موحد ونجحت في تفادي حرب عملات أو موجة حمائية انتقامية وان ذلك التنسيق كان العامل الحاسم الذي حوّل ما كان يمكن أن يكون كساداً كبيراً ثانياً إلى ركود عميق لكن قابل للتعافي.
واردفت : ا هذا التنسيق اليوم يكاد يكون غائباً بالكامل فالعالم يعيش وفق وصف Foreign Policy الدقيق تحولاً من “نظام تحكمه التحالفات” إلى “عالم التحالفات المؤقتة” القائمة على المصالح الآنية لا المبادئ الراسخة واللافت أن التشقق ليس فقط بين المعسكرين التقليديين بل داخل كل منهما
واضافت ان تجمع ” بريكس” كان المرشح نظرياً ليكون الكتلة المضادة التي تُكبّل الهيمنة الأحادية غير أن الحرب كشفت عن صدع بنيوي عميق و البرازيل وروسيا والصين أدانت الهجوم على إيران بينما ركّزت الهند والإمارات على انتقاد الردود الإيرانية الانتقامية فيما آثرت جنوب أفريقيا النبرة الحذرة والمبهمة والنتيجة أن التكتل الذي يضم 11 دولة وعضويتها إيران عجز عن إصدار بيان جماعي واحد حين تعرّض أحد أعضائه الدائمين لضربة عسكرية مدمّرة.
وقالت انه في اجتماع وزراء خارجية “بريكس” العام الماضي عجز الأعضاء عن الاتفاق على بيان مشترك للمرة الأولى في تاريخ المجموعة وان الأزمة الراهنة تُعمّق هذا الواقع التوسع الذي أضاف مصر والإمارات وإيران والسعودية معاً خلق تناقضاً بنيوياً شبه مستحيل إذ يجمع دولاً يستهدف بعضها بعضاً بالصواريخ في إطار تعاوني واحد.
واضافت أن “بريكس” لا تزال تحتفظ بأثر اقتصادي حقيقي ولو في غياب التنسيق السياسي. فـ”New Development Bank” يواصل تمويل مشاريع البنية التحتية في دول الجنوب العالمي، ومسار “BRICS Pay” لتقليص الاعتماد على نظام SWIFT يكتسب زخماً متصاعداً في الهوامش، بعيداً عن الضوء الإعلامي.
واضافت ان مصر تقع في تقاطع التحالفات الأكثر تعقيداً في المنطقة وهي تدير و بصعوبة متصاعدة 4 علاقات تحالفية متوازية كل منها يحمل أثراً اقتصادياً مباشراً: التحالف الخليجي والذي يمثل شريان المال الأول دول الخليج وفي مقدمتها السعودية والإمارات والكويت و أنقذت الاقتصاد المصري مرات عدة خلال العقد الماضي عبر ودائع بنكية واستثمارات مباشرة وقروض ميسّرة بمليارات الدولارات ، والتحالف مع صندوق النقد والغرب و مشروطية الدعم يوصي المجلس الأطلسي صراحةً بأن يُعزّز الصندوق دعمه لمصر بدعم إضافي من الولايات المتحدة والإمارات وقطر معتبراً أن “إرسال رسالة ثقة لمصر الآن قبل أن تتصاعد ضغوط الأسواق أمر بالغ الأهمية” ، و التحالف مع بريكس وهي عضوية بلا مظلة انضمت مصر إليها في 2024 رهاناً على توسيع قاعدة شركائها وتنويع مصادر التمويل لكن الأزمة كشفت أن عضوية بريكس لا توفّر حمايةً اقتصادية عملية في لحظات الأزمات الحادة و البنك الجديد للتنمية يقدّم تمويلاً تنموياً لا تمويلاً للطوارئ، وآليات التضامن السريع غائبة.
وتابعت : ان الدبلوماسية الاقتصادية المصرية تقود جهداً وساطياً مشتركاً مع تركيا وعُمان لإقناع الأطراف المتحاربة بقبول مفاوضات تشمل ملف المضيق والبرنامج النووي الإيراني وتجميد الأصول وان المفاوضات تسعى إلى إيجاد ممر آمن يضمن حرية الملاحة عبر هرمز وباب المندب
ونجاح هذه الوساطة سيكون أكثر قيمة اقتصادياً من أي حزمة دعم مالية إذ يُعيد إيرادات قناة السويس ويُوقف نزيف الطاقة.
وشددت انه على مصر الانتقال من انتظار الكتل إلى بناء شبكة ثنائية مرنة وعقد اتفاقيات طاقة مع الجزائر والسعودية وأستراليا وترتيبات تمويل طارئ مع الإمارات والصين في آنٍ واحد.







