د. عادل عبد الله غباشي : من حِكَم الصيام: تزكيةُ الأخلاق (1-2)

في يوم 5 مارس، 2026 | بتوقيت 2:03 ص

كتبت: شيرين محمد

من المقاصد العظيمة للصيام، وأجلِّ ثمراته، تزكيةُ الأخلاق وتهذيبُ السلوك؛ إذ لم يُشرع الصوم لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، وإنما شُرع ليُصلح القلوب، ويقوم النفوس، ويهذب الأخلاق.

ولما كانت الأخلاقُ الإسلامية غايةً من غايات البعثة النبوية، وأصلًا من أصول الشريعة المحمدية، أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذا المقصد الجليل في قوله:﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164].
فجعل التزكيةَ مقدَّمةً على التعليم، إشارةً إلى أن إصلاح القلوب وتطهير الأخلاق أساسُ كلِّ علمٍ نافعٍ وعملٍ صالح.
ويؤكد هذا المعنى أن الوحيَ تنزَّل على رسول الله ﷺ في المرحلة المكية ثلاث عشرة سنة، لم يُعنَ فيها بالتشريعات التفصيلية بقدر ما ركَّز على غرس الإيمان، وترسيخ مكارم الأخلاق، واقتلاع الرذائل، وبناء الإنسان من داخله.

ثم لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، استمرت آيات التزكية تنزل مقرونةً بالتشريع، ليبقى الخلقُ أساسَ العبادة، وروحَ الشريعة، ومقصدَها الأعظم.

ولما كان للأخلاق هذه المكانة الرفيعة في الإسلام، جاءت العباداتُ كلُّها – ومنها الصيام – مشبعةً بالبعد الأخلاقي، تدعو إليه، وتُربي عليه، وتثمر تزكيةً للنفس، وسموًّا في السلوك.

فالصيام – وهو محلُّ الحديث – من أعظم العبادات أثرًا في تزكية الأخلاق؛ لأنه يُحقِّق التقوى، والتقوى هي جماعُ الأخلاق، وأصلُها الذي يحمل العبد على فعل كل خلقٍ كريم، والبعد عن كل خلقٍ لئيم.

كما يُثمر الصيام خلقَ الشكر، وهو من أمهات الأخلاق التي تتفرع عنها خصالُ الخير كلُّها.

ولهذا لا يكون الصوم مقبولًا عند الله إلا إذا أُدِّي على أساسٍ أخلاقي، قائمٍ على ترك المعاصي، وكفِّ الجوارح، وضبط اللسان، كما قال النبي ﷺ:
«من لم يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَع طعامَه وشرابَه».
وقول الزور ذُكر على سبيل المثال، وإلا فجميع المحرمات الحسية والمعنوية داخلةٌ في هذا المعنى، وكلها من منكرات الأخلاق، لأنها مخالفةٌ لحق الحياء من الله سبحانه، الذي شُرع الصيام ابتغاءَ وجهه.

نسأل الله القبول.

د. عادل عبد الله غباشي
الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف