الحرب “الأمريكية – الإسرائيلية” على إيران تشعل أسواق الطاقة… النفط يقفز 13% ومصر تترقب تداعيات الإمدادات .. و«سوميد»… ميزة استراتيجية لمصر في الأزمة

ضبابية أمد الحرب واتساع نطاقها الجغرافي تدفع النفط العالمي نحو موجة ارتفاعات كبرى..

في يوم 4 مارس، 2026 | بتوقيت 8:17 ص

كتبت: شيرين سامى


م.أسامة كمال :
40% من الإمدادات العالمية في دائرة الخطر ولازلنا نترقب


د.عبد المسيح سمعان :
الحروب تخلّف دمارًا بيئيًا شاملًا.. وترشيد الاستهلاك ضرورة لحماية أمن الطاقة


د.حافظ السلماوى:
لا أزمة في توافر البترول… والتحدي الحقيقي في التكلفة والغاز

========

في ظل تصاعد المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة اضطراب حاد، وسط مخاوف من اتساع رقعة الصراع وتعطل الإمدادات القادمة من الخليج العربي، الذي يمثل القلب النابض لإنتاج النفط والغاز عالميًا.
وقفزت أسعار النفط بنسبة 13% خلال تعاملات الاثنين، مدفوعة باضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز الحيوي، في أعقاب الهجمات الإيرانية التي تلت انطلاق العملية العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية. وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى 82.37 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025، قبل أن تقلص مكاسبها إلى 78.28 دولار بزيادة 7.4%.
فى هذا السياق ،أكد خبراء في قطاع النفط أن استمرار الحرب وعدم وضوح مداها الزمني أو نطاقها الجغرافي يضعان النفط العالمي في مهب ارتفاعات كبرى، مشيرين إلى أن حجم المخاطر يرتبط بمدة القتال ومدى الأضرار التي قد تلحق بالمرافق النفطية.

أسعار البترول

من جانبه ،أكد المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة والبيئة والقوى العاملة، أن منطقة الخليج العربي توفر نحو 40% من احتياجات العالم من النفط والغاز، ما يجعل أي اضطراب بها ذا تأثير فوري وعنيف على الأسعار.
وأشار إلى أن معادلة العرض والطلب انعكست سريعًا في الأسواق، حيث قفز سعر البرميل من نطاق 70 – 71 دولارًا إلى 82 دولارًا مع بداية التداولات، في استجابة مباشرة للتوترات الجيوسياسية.
وأوضح أن الولايات المتحدة قد تدفع بجزء من احتياطياتها، بما في ذلك نحو 3 ملايين برميل من النفط الفنزويلي، إلا أن هذه الكميات لن تعوض الفاقد المحتمل من إنتاج الخليج.

مصر بين مرونة الإمدادات وضغوط الأسعار

بالنسبة لمصر، أشار كمال إلى أن الوضع يختلف نسبيًا، إذ تعتمد القاهرة منذ فترة على استيراد الغاز من الولايات المتحدة بدلًا من قطر، ما يجعل الإمدادات الأمريكية مستقرة حتى الآن.
غير أن توقف خط الغاز الإسرائيلي — الذي كان يوفر قرابة مليار قدم مكعب يوميًا، بما يعادل نحو نصف الواردات — سيستدعي تعويض هذه الكميات عبر الاستيراد من الأسواق العالمية، التي شهدت بالفعل ارتفاعًا في أسعار الغاز بنسبة تتراوح بين 15% و20% خلال اليومين الماضيين.
وأوضح أن التعاقدات الحالية ما تزال مرتبطة بأسعار سابقة، ما يؤجل الإحساس الفوري بالزيادة، لكن استمرار الحرب لفترة أطول سيعني انتقال التأثير تدريجيًا إلى الداخل.
أحد عناصر القوة النسبية لمصر يتمثل في خط أنابيب شركة سوميد، الذي ينقل النفط من العين السخنة إلى سيدي كرير على البحر المتوسط.
وأوضح كمال أن تعطل بعض المنشآت في شرق السعودية يقابله استمرار العمل في منشآت الساحل الغربي مثل ميناء ينبع، حيث تمر الشحنات عبر البحر الأحمر إلى خليج السويس، ومنها عبر سوميد إلى البحر المتوسط ثم إلى أوروبا، ما يمنح مصر فرصة لاستمرار تدفق الكميات وزيادتها.
كما تمتلك مصر ميزة إضافية تتمثل في قدرة محطات الكهرباء على العمل بالغاز أو الوقود السائل (الديزل والمازوت)، ما يوفر مرونة تشغيلية في مواجهة أي نقص مؤقت.

حماية البيئة وترشيد الاستهلاك

في السياق ذاته، أكد أ.د. عبد المسيح سمعان، أستاذ الدراسات والتوعية البيئية بجامعة عين شمس، أن أي حرب – أياً كان موقعها أو أطرافها – تخلّف تداعيات بيئية خطيرة تمتد آثارها لسنوات طويلة، مشددًا على أن البيئة غالبًا ما تكون الضحية الصامتة للصراعات المسلحة.
وأوضح سمعان أن الأسلحة المستخدمة في الحروب، سواء كانت قنابل أو مقذوفات أو غيرها، تتسبب في إطلاق كميات ضخمة من الملوثات في الهواء، ما يؤدي إلى تدهور جودة الهواء والإضرار بصحة السكان في المناطق المتأثرة. كما تتسرب مكونات هذه الأسلحة إلى التربة، مسببة تآكلها وتدهور خصوبتها، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي ويؤدي إلى تلف المحاصيل.
وأضاف أن التأثيرات لا تتوقف عند الهواء والتربة، بل تمتد إلى الموارد المائية، حيث يمكن أن تتعرض المياه السطحية والجوفية للتلوث نتيجة المخلفات الحربية أو تسرب المواد الكيميائية، الأمر الذي يهدد صحة الإنسان ويؤثر على النظم البيئية المائية. وأشار إلى أن استهداف أو تضرر ناقلات النفط والسفن المحمّلة بمواد بترولية أو كيميائية خلال الحروب يمثل شقًا خطيرًا آخر من الأزمة البيئية، إذ يؤدي تسرب حمولتها إلى البحار إلى تدهور حاد في جودة المياه وإلحاق أضرار جسيمة بالتنوع البيولوجي والكائنات البحرية. واستشهد بما شهدته منطقة الخليج في فترات سابقة من تلوث نفطي غيّر من خصائص المياه وأثر سلبًا على الحياة البحرية لسنوات.
وبيّن أن الحروب لا تدمر الموارد الطبيعية فحسب، بل تهدر أيضًا الموارد المادية والبنية التحتية، من منازل ومؤسسات ومرافق عامة، فضلًا عن تأثيرها المباشر على صحة الإنسان وسلامته، وهو ما يضاعف من حجم الخسائر البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي سياق متصل، شدد سمعان على أهمية الترشيد كخيار استراتيجي في أوقات الأزمات، مؤكدًا أن “الوقاية خير من العلاج”، وأن الترشيد يجب أن يشمل مختلف مناحي الحياة، وليس الكهرباء فقط، بل أيضًا المياه والغذاء واستخدام الموارد بوجه عام. وأوضح أن الحفاظ على الطاقة الكهربائية يمثل أولوية خاصة، لاسيما في ظل احتمالات تأثر إمدادات الطاقة أو الغاز نتيجة الاضطرابات الإقليمية، مشيرًا إلى أن ترشيد الاستهلاك في المنازل وأماكن العمل يمكن أن يُحدث فارقًا كبيرًا إذا التزم به الجميع.
ودعا إلى اتخاذ خطوات عملية، منها إطفاء الإضاءة غير الضرورية، وفصل الأجهزة غير المستخدمة، وعدم ترك الشواحن موصلة بالكهرباء بعد اكتمال الشحن، مؤكدًا أن الاستهانة بالاستهلاك البسيط أمر غير دقيق، لأن “لمبة مع لمبة تصنع فرقًا حقيقيًا على مستوى الدولة”.
وأضاف أن الدولة تعمل جاهدة على حماية المواطنين من تداعيات الأزمات، لا سيما فيما يتعلق بقطاع الكهرباء، من خلال وضع خطط استباقية وآليات تشغيل مرنة وبدائل متعددة تضمن استدامة الإمدادات وعدم تأثر المواطنين، بما يعكس حرصها على تحقيق أمن الطاقة والحفاظ على استقرار الخدمات الحيوية.
واختتم بالتأكيد على أن الترشيد ليس مسألة قدرة على دفع الفاتورة، بل مسألة أمن طاقة واستدامة موارد، ما يتطلب وعيًا جماعيًا ومسؤولية مشتركة لمواجهة أي تحديات قد تفرضها الظروف الإقليمية والدولية.

تحديات الغاز الطبيعي

أكد الدكتور حافظ السلماني،أستاذ هندسة الطاقة والرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك في ، أن مصر لا تواجه أزمة في توافر البترول أو المنتجات البترولية، في ظل وجود مخزون استراتيجي كافٍ، مشيرًا إلى أن التحدي المحتمل يرتبط بارتفاع التكلفة وليس بنقص الكميات.
وأوضح السلماني أن خط الأنابيب الرابط بين العين السخنة وسيدي كرير على البحر المتوسط، التابع لشركة سوميد، يمتلك طاقة تخزينية تُقدّر بنحو 40 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية، بما يعادل نحو 5 ملايين طن تقريبًا. ولفت إلى أن هناك اتفاقًا مع الحكومة المصرية يتيح السحب من هذا المخزون حال الحاجة، على أن يتم السداد وفقًا للأسعار العالمية السائدة وقت السحب.
وأشار إلى أن الاستهلاك المحلي من البترول يبلغ نحو 32 مليون طن سنويًا، بينما تظل الواردات في حدود أقل من 5 ملايين طن، وهو ما يعكس عدم وجود مخاوف حقيقية بشأن أمن الإمدادات (Security of Supply)، موضحًا أن أي ضغوط محتملة ستكون مرتبطة بارتفاع الأسعار العالمية نتيجة التطورات الجيوسياسية.
وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي، أوضح السلماني أن الوضع أكثر تعقيدًا، حيث تعتمد مصر على واردات الغاز من إسرائيل لتغطية نحو 18% من إجمالي الاستهلاك المحلي، سواء في قطاع الكهرباء أو الاستخدامات الصناعية الأخرى.
وبيّن أن سعر الغاز المستورد يدور حول 7.6 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مشيرًا إلى أن جزءًا من التكلفة يرتبط بتسويات مالية سابقة ناتجة عن حكم تحكيم دولي صدر عقب إلغاء عقود تصدير الغاز في فترات سابقة.
وأكد أن أي توقف مفاجئ في ضخ الغاز الإسرائيلي يمثل تحديًا مباشرًا للسوق المحلي، خاصة في ظل الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال لسد فجوة إضافية من الاحتياجات، موضحًا أن مصر كانت قد اتفقت على استقبال شحنات من الغاز المسال خلال موسم الصيف، ضمن خطة لتأمين الإمدادات.
وشدد السلماني على ضرورة التحرك العاجل لتدبير مصادر بديلة للغاز المسال لتعويض أي انقطاع محتمل، محذرًا من احتمال مواجهة فترة نقص مؤقت في الإمدادات، خاصة خلال أشهر الذروة الصيفية.
واستشهد بتجربة سابقة خلال التوترات الإقليمية الماضية، حين تم تطبيق خطة طوارئ شملت وقف تشغيل مصانع الأمونيا والأسمدة، التي تستهلك ما بين 13% و14% من إجمالي استهلاك الغاز، بهدف إعطاء الأولوية لقطاع الكهرباء وتأمين احتياجات المواطنين.
واختتم خبير الطاقة تصريحاته بالتأكيد على أن إدارة المرحلة المقبلة تتطلب تحركات استباقية لتنويع مصادر الإمداد، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد، بما يضمن استقرار السوق المحلي في ظل تقلبات إقليمية ودولية متسارعة.

سيناريوهات مفتوحة

يتفق الخبراء على أن المشهد لا يزال مفتوحًا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين احتواء سريع للأزمة يعيد الأسعار تدريجيًا إلى مستوياتها الطبيعية، أو تصعيد ممتد يرسخ موجة ارتفاعات قد تكون الأكبر منذ سنوات.
وفي ظل هذه الضبابية، تتزايد الدعوات إلى ترشيد استهلاك الطاقة داخليًا، تحسبًا لأي ضغوط مستقبلية، بينما تبقى أعين الأسواق معلقة بتطورات الأيام القليلة المقبلة، التي ستحدد مسار واحدة من أخطر أزمات الطاقة في العقد الأخير.