“العالم اليوم” تنفرد بنشر تفاصيلها.. العلم في مواجهة التلوث… ورشة وطنية ترسم مستقبل إدارة المخاطر البيئية بالتقنيات الحديثة
في يوم 11 فبراير، 2026 | بتوقيت 7:37 م

كتبت: شيرين سامى
د.عمرو الحاج:
هيئة الطاقة الذرية تلتزم وطنيا بالإدارة الآمنة للمخاطر
د.رحاب عثمان :
الذكاء الاصطناعي والتقنيات النووية في قلب الحلول التطبيقية
د.كريم الأدهم: النفايات المشعة بين الخطر والمسؤولية لضمان سلامة الإنسان والبيئة
د.وليد توفيق :
الليزر والذكاء الاصطناعي… حلول علمية من أجل البيئة والإنسان
د.عبد المسيح سمعان : التوعية البيئية أساس الاستدامة المجتمعية وركيزة ناجحة لإدارة استيراتيجية للملوثات البيئية
د.محمد شريف :
تقييم وإدارة المخاطر الكيميائية تتطلب تحديثًا دوريًا
د.علا عبد الغنى:
المعمل الوطنى يعزز بناء القدرات والتأهيل الوطني
==========
في ظل ما يشهده العالم من تصاعد غير مسبوق في التحديات البيئية والمناخية، وتزايد المخاطر المرتبطة بالملوثات الكيميائية والمشعة وتأثيراتها المباشرة على صحة الإنسان والموارد الطبيعية، باتت الحاجة ملحّة إلى تبني حلول علمية مبتكرة تقوم على البحث التطبيقي والتكنولوجيا المتقدمة. ومن هذا المنطلق، تتقدم مصر بخطوات علمية مدروسة نحو بناء منظومة وطنية متكاملة لإدارة المخاطر البيئية، تستند إلى العلم، وتستثمر في الإنسان، وتربط بين البحث العلمي وصناعة القرار.
في هذا الإطار، نظم المعمل الوطني للتخلص الآمن من النفايات المشعة والخطرة التابع لهيئة الطاقة الذرية، بالتعاون مع اللجنة الوطنية لعلوم البيئة وصون الطبيعة بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، ورشة عمل علمية موسعة بعنوان:
«إدارة المخاطر للملوثات البيئية بالتقنيات الحديثة: نحو حلول مبتكرة ومستدامة».
وشهدت ورشة العمل حضور نخبة من العلماء والخبراء، ومشاركة رفيعة المستوى من عدد من الجهات الاستراتيجية، من بينها وزارات التعليم العالي والبحث العلمي، الكهرباء والطاقة المتجددة، والبيئة، إلى جانب هيئة المحطات النووية، هيئة المواد النووية، وجهاز تنظيم إدارة المخلفات التابع لوزارة البيئة، فضلًا عن مشاركة جامعات القاهرة، عين شمس، بني سويف، الأزهر، ومدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، بالإضافة إلى عدد من الجمعيات الأهلية وشركات القطاع الخاص، في نموذج يعكس التكامل بين الدولة والمجتمع العلمي والمدني.
الجهود الوطنية
وفي كلمته، أكد الأستاذ الدكتور عمرو الحاج، رئيس مجلس إدارة هيئة الطاقة الذرية ورئيس مجلس إدارة المعمل الوطني، أن تنظيم هذه الورشة يأتي في إطار التزام الهيئة بدعم الجهود الوطنية الرامية إلى تطوير حلول علمية وعملية لمواجهة التحديات البيئية المتزايدة.
وأشار إلى أن الورشة تمثل منصة حيوية لتبادل الخبرات بين العلماء وصنّاع القرار، بما يضمن الإدارة الآمنة والمتكاملة للمخاطر البيئية وفق أحدث المعايير العالمية، مؤكدًا أن هذا التوجه يُعد أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق أهداف استراتيجية مصر للتنمية المستدامة وحماية الإنسان والبيئة.
التقنيات الحديثة
من جانبها، أوضحت الأستاذة الدكتورة رحاب عثمان، المدير التنفيذي لمشروع المعمل الوطني للتخلص الآمن من النفايات المشعة والخطرة ومنسق ورشة العمل، أن الورشة ركزت على توظيف التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والتقنيات النووية والإشعاعية، في رصد الملوثات البيئية ومعالجتها.
وأكدت أن الهدف الرئيسي يتمثل في بناء قدرات الكوادر المصرية، وتحويل مخرجات البحث العلمي من أطر نظرية إلى حلول تطبيقية ملموسة تخدم القطاعين الصناعي والبيئي في مصر، بما يعزز الاعتماد على القدرات الوطنية ويقلل الفاتورة الاستيرادية.
وخلال محاضرتين علميتين، استعرضت الدكتورة رحاب عثمان الدور المحوري للمعمل الوطني للتخلص الآمن من النفايات المشعة والخطرة (NLSD)، والذي تموله أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا وتؤسسه وتديره هيئة الطاقة الذرية، بوصفه منصة وطنية استراتيجية تهدف إلى دعم الإدارة الآمنة والمستدامة والمتكاملة للنفايات المشعة والخطرة في مصر.
وأوضحت أن إنشاء المعمل الوطني جاء استجابة لتحديات قومية معقدة تتجاوز قدرات المؤسسات البحثية منفردة، وتتطلب كيانًا وطنيًا مرجعيًا قادرًا على الربط بين البحث العلمي، التطبيق العملي، دعم السياسات العامة، وبناء القدرات المؤسسية.
وبيّنت أن المعمل صُمم وفق إطار مفاهيمي ومؤسسي وتشغيلي متكامل، يحدد مهامه الفنية والاستشارية، ويتيح تقديم حزمة شاملة من الخدمات تشمل توصيف النفايات، تقييم الأمان، اختيار التقنيات، دعم مراحل ما قبل التخلص والتخلص النهائي، ودراسات التخلص طويل الأجل، إضافة إلى دعم إعداد ملفات الأمان ومتطلبات الترخيص.
وأكدت أنه مع بدء تشغيل بعض وحدات المعمل والاستعداد لتشغيل باقي الوحدات بنهاية عام 2026، يطمح القائمون عليه إلى توسيع دوره ليشمل العمل كوحدة مرجعية وطنية وداعم فني للمشروعات القومية والدولية، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي قيادي في هذا المجال الاستراتيجي.
رؤية علمية
وفى محاضرته حذّر الأستاذ الدكتور كريم الأدهم، الرئيس السابق لمركز الأمان النووي بهيئة الطاقة الذرية، من المخاطر الجسيمة التي تترتب على إطلاق النفايات المشعة في البيئة بشكل غير منضبط، مؤكدًا أن تلك الممارسات تمثل تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان وسلامة البيئة، وقد تمتد آثارها إلى خارج الحدود الوطنية لتطال الدول المجاورة.
وأوضح الدكتور كريم الأدهم أن التعامل الآمن مع النفايات المشعة يتطلب تطبيق منظومة متكاملة للإدارة المأمونة، تبدأ من مراحل التعامل الأولى وتنتهي بمرحلة التخلص الآمن، التي تُعد الخطوة الأخيرة والأكثر حساسية في هذه المنظومة، مشيرًا إلى أن سلامة مرافق التخلص تعتمد على حسن اختيار مواقعها، والتصميم الهندسي السليم، وطرق البناء والتشغيل، وخطط الإغلاق، إلى جانب المراقبة طويلة الأجل بعد الإغلاق.
وأكد أن تقييم سلامة مرافق التخلص يجب أن يستند إلى دراسة تأثيراتها على الإنسان والكائنات الحية الأخرى، مع إمكانية توسيع نطاق التقييم ليشمل التأثيرات المحتملة خارج الحدود الوطنية، بما يعكس الطبيعة العابرة للحدود للمخاطر الإشعاعية.
وأشار الرئيس السابق لمركز الأمان النووي إلى الدور المحوري الذي تضطلع به الهيئة التنظيمية المختصة في وضع الحدود والمعايير المنظمة للإدارة الآمنة للنفايات المشعة، بما يضمن الالتزام بأعلى مستويات الأمان النووي والإشعاعي.
وفيما يتعلق بالبعد المجتمعي، شدد الدكتور كريم الأدهم على أهمية إعداد برامج توعية نوعية تستهدف مختلف فئات المجتمع، تُقدَّم فيها المعلومات بشكل مبسط وواضح وصادق، مع اختيار متحدثين يمتلكون القدرة على التواصل الفعّال مع الجمهور، والابتعاد عن المصطلحات الفنية المعقدة التي يقتصر استخدامها على الأوساط العلمية المتخصصة.
كما دعا إلى تعزيز العلاقة بين الجهة الرقابية ومشغلي المنشآت النووية والإشعاعية، بحيث تقوم على الحوار العلمي والتكامل، مؤكدًا أن جميع الأطراف يعملون في إطار هدف مشترك يتمثل في قيام المنشآت بدورها في خدمة الوطن، مع ضمان أعلى مستويات السلامة والأمان.
خارطة طريق
وفي محاضرة علمية لافتة، قدّم الأستاذ الدكتور وليد توفيق، أستاذ علوم الليزر وتطبيقاته بجامعة القاهرة وعضو اللجنة الوطنية لشؤون البيئة، رؤية متكاملة بعنوان:
«تكنولوجيا الليزر والذكاء الاصطناعي: خارطة طريق لإنقاذ البيئة وصناعة المستقبل».
وأوضح أن العالم يواجه تحديات مناخية وبيئية غير مسبوقة، ما يجعل البحث العلمي أداة حقيقية لإدارة الأزمات، وليس نشاطًا أكاديميًا معزولًا. واستعرض توظيف تقنية الليدار (LIDAR) كمنظومة إنذار مبكر فائقة الدقة لرصد الجسيمات الدقيقة وتحديد مصادر التلوث في الهواء.
كما تناول استخدام الذكاء الاصطناعي والكيمياء الحاسوبية في تصميم مركبات نانوية صديقة للبيئة قادرة على إزالة العناصر الثقيلة السامة من مياه الصرف الصناعي، في إطار مفهوم «التطهير الأخضر».
وامتد العرض ليشمل تطبيقات صحية متقدمة، حيث أشار إلى استخدام مركبات نانوية مدعومة بأشعة الليزر في استهداف الخلايا السرطانية، مؤكدًا أن حماية البيئة تنعكس مباشرة على صحة الإنسان وجودة حياته.
الوعى البيئى
وأكد الأستاذ الدكتور عبدالمسيح سمعان عبدالمسيح، أستاذ الدراسات البيئية بجامعة عين شمس، أن التوعية البيئية ومشاركة المجتمع المدني تمثل الركيزة الأساسية لأي استراتيجية ناجحة ومستدامة لإدارة الملوثات البيئية.
وأكد أستاذ الدراسات البيئية ، أن المعرفة والوعي والمشاركة هي مفتاح التحول إلي الأفعال علي الارض، فحين يُدرك المجتمع مسؤليته البيئية ويشارك في حمايتها تتحول مواجهة التلوث من عبئ حكومي إلي قضية وطنية يشترك فيها الجميع.
وأضاف د.عبد المسيح أن التجارب الدولية الحديثة تشير ألى ان فعالية سياسات الحد من التلوث ترتبط ارتباطاً مباشراً بمستوي التوعية البيئية ومشاركة المجتمع المدني في صنع القرار والتنفيذ.
موضحا أن الوعي البيئي هو ان يدرك الفرد البيئة ومكوناتها والمشكلات المرتبطة بها وهذا الإدراك يقوم علي المعرفة وعلي الاحساس والشعور الداخلي وهو الخطوة الاولي في تكوين السلوك البيئي السليم وصيانة البيئة والحد من مشكلاتها.
وأوضح أن الوعي البيئي يبدأ بإدراك الفرد لمكونات البيئة ومشكلاتها، ويمر بمراحل التكوين والتطبيق والتثبيت، مستعرضًا أساليب التوعية المختلفة، من الحملات الإعلامية، وورش العمل، والبرامج المؤسسية، وصولًا إلى المبادرات الشعبية، ومقدمًا توصيات عملية لإدماج التوعية البيئية ضمن الخطط التنموية المحلية.
مراحل التقييم
بدوره، تناول الدكتور محمد شريف مصطفى، أستاذ بجامعة عين شمس واستشاري تقييم المخاطر الكيميائية والبيولوجية، الأسس العلمية لتقييم وإدارة مخاطر المواد الكيميائية، موضحًا أهمية التمييز بين «الخطر» و«المخاطرة»، ومراحل التقييم الأربع المتعارف عليها دوليًا.
وأكد أن إدارة المخاطر عملية مستمرة تتطلب تحديثًا دوريًا، وتطبيق تسلسل هرمي لإجراءات التحكم، يبدأ بالإزالة والاستبدال، مرورًا بالضوابط الهندسية والإدارية، وصولًا إلى معدات الوقاية الشخصية، مع ضرورة نشر ثقافة السلامة في مختلف بيئات العمل.
العنصر البشري
وفي ختام المحاضرات، استعرضت الأستاذة الدكتورة علا عبدالغني عبدالمؤمن دور المعمل الوطني في التأهيل وبناء القدرات الوطنية، مؤكدة أن العنصر البشري يمثل التحدي الأبرز لتحقيق الاستدامة، وأن المعمل يعمل على نقل وتوطين التكنولوجيا، ودعم البحث التطبيقي، وتقديم برامج تدريبية وخدمات استشارية فنية، بما يعزز حماية الإنسان والبيئة.
توصيات ختامية
واختتمت ورشة العمل بصياغة مجموعة من التوصيات للمحاضرين المتحدثين، أبرزها:
• إدماج التقنيات الحديثة مثل الليزر، النانوتكنولوجي، والذكاء الاصطناعي في إدارة الملوثات والتغيرات المناخية.
• دعم البحث العلمي التطبيقي وربطه بالصناعة.
• تعزيز بناء القدرات البشرية والتكامل المؤسسي.
• رفع الوعي البيئي المجتمعي وتعزيز ثقافة السلامة.
وبذلك تؤكد ورشة العمل أن مصر تسير بثبات نحو نموذج علمي متكامل لإدارة المخاطر البيئية، يقوم على توظيف التكنولوجيا الحديثة، وبناء الإنسان، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ دورها الإقليمي في حماية البيئة وصون الموارد للأجيال القادمة.







