عبد العزيز الصعيدى : الأربعون مليار.. والقنطار والدينار
في يوم 9 أبريل، 2026 | بتوقيت 12:18 م

كتبت: شيرين محمد
اكد عبد العزيز الصعيدى الخبير المصرفي ان غالبية ما تم تداوله من أخبار خلال الأيام الماضية عن “قرض الأربعين مليار” ورجل الأعمال صاحب مصنع الأسمدة.. وما يهمني هنا هو ما أُثير حول قطاع البنوك، وعليه فإنني أضع تحت نظر حضراتكم بعض الإيضاحات التي أراها هامة:
**أولاً: حتمية المخاطرة**
الائتمان في جوهره هو عملية تسليم البنك نقوداً لطرف آخر في الحاضر مقابل الوعد بسدادها في المستقبل. وحيث إن المستقبل يقع في علم الغيب، فإن احتمالات “التعثر” ستظل دائماً أكبر من الصفر؛ فحتى في الحالات التي يكون فيها القرض مغطى بضمانات نقدية كاملة، تظل هناك “مخاطر تشغيلية” قد تشمل أخطاءً في التنفيذ أو ثغرات في صياغة العقود. لذلك، فإن البنوك لا تبحث عن “اللا مخاطرة”، بل تبحث عن **المخاطر المحسوبة**، ومن هنا يتم تسعير الفائدة بناءً على المخاطرة (Risk-Based Pricing)؛ فكلما ارتفعت احتمالات التعثر زاد سعر الفائدة، والعكس صحيح.
**ثانياً: الطبيعة البشرية **
يؤكد القرآن الكريم أن التفاوت في الوفاء بالالتزامات هو جزء من طبيعة البشر في تعاملهم مع الأمانات، كما جاء في قوله تعالى:
> ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾
فهذا الانقسام بين من يؤدي الأمانة طوعاً ومن يحتاج إلى الملاحقة هو واقع إنساني قديم أثبته النص الشريف.ولذلك فإن الهيكل التنظيمي للبنوك كلها يتضمن قطاعا لمتابعة القروض……
**ثالثاً: فلسفة المخصصات البنكية**
تطبيقاً لقانون البنوك المصري (رقم 88 لسنة 2003 والمعدل بالقانون رقم 194 لسنة 2020)، تلتزم البنوك بتكوين “مخصصات” تُخصم من الأرباح السنوية لمواجهة التعثرات المحسوبة، بل إنه يتم عمل مخصصات ربع سنوية للقروض الجيدة أيضاً.
هذا الإجراء هو إقرار مسبق بأن جزءاً من القروض قد يتعثر لا محالة نتيجة متغيرات اقتصادية محلية أو عالمية أو شخصية . وهذا الفكر المالي يتطابق مع منهج سيدنا يوسف -عليه السلام- في إدارة الأزمات:
> ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سنينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾
>
فالمخصصات هي المخزون الذي تجده البنوك لتغطية خسائرها عند وقوع “المحظور” وتوقف العميل عن السداد، لضمان استقرار النظام المصرفي.
**رابعاً: التعثر الإرادي والقهري (نماذج من الواقع)**
في الواقع العملي، ليس كل تأخر في السداد هو “مماطلة”، بل غالباً ما يكون نتاج تقلبات خارجة عن إرادة العميل. ومن واقع خبرتي الشخصية أذكر حالتين توضحان ذلك:
* **الواقعة الأولى:** حين عملت لفترة قصيرة بالصندوق الاجتماعي للتنمية (جهاز تنمية المشروعات حالياً)في عهد رئاسة الأستاذ المحترم هاني سيف النصر، حيث كنت رئيس للجنة تطوير الأداء وفي تلك الفترة كان بعض شباب الخريجين الحاصلين على قروض سيارات لبيع الخضروات قد تعثروا بسبب مطاردة “المحليات” لهم، بعدم الوقوف في الشوارع رغم أن السيارات كان مدوناً عليها (الصندوق الاجتماعي)وهو المفروض جهة حكومية ، وهنا كان التعثر “لا إرادياً”، وتدخل الصندوق بتعليمات من الأستاذ هاني سيف النصر بعد العرض عليه لوقف الإجراءات القانونية ضد هؤلاء الشباب تقديراً لهذه الظروف.
* **الواقعة الثانية:** هروب أحد عملائي من كبار تجار الأخشاب -المعروفين بملائتهم المالية وسمعتهم الطيبة- إلى السعودية فجأة وبدون سابق إنذار بسبب تقديم شيكات بمبالغ كبيرة عليه. وقد قابلته بالصدفة في مكة أثناء العمرة ونصحته بعدم الخوف من البنوك والتواصل مع الأستاذ الدكتور حسن عباس زكي -رحمه الله-رئيس بنك SAIB (المفوض من البنوك الدائنة)، وبالفعل تواصل معه وعاد الي مصر و تمت تسوية مديونيته بنجاح، واستردت البنوك أموالها نقداً وعقارات زادت قيمتها مع الوقت.
**خامساً: كيف يمنح الائتمان؟**
لا يمنح الائتمان عشوائياً؛ بل يسبقه استعلام تفصيلي دقيق عن السمعة والمعاملات بالسوق والبنوك، ثم دراسة ائتمانية وافية وفق سياسات البنك، تليها موافقة لجان ائتمان متدرجة وصولاً لمجلس الإدارة. وحين يحصل عميل واحد على تمويل بهذا الحجم ١١ مليار جنيه من سبعة بنوك، فهذا يعني أن هذه المؤسسات هي من سعت إليه لقوة مركزه المالي وحجم شركته، وليس العكس.
كما يعني وصول المديونية بالفوائد والعمولات الى هذه الارقام….ان البنوك لا تقوم باتخاذ اي قرارات إلا بعد استنفاد كافة السبل الودية
كما يعني ان هناك فرق في التعامل مع هذه الأرقام وبين التعامل مع قروض التجزئة للأفراد
**الخلاصة**
إن التعثر في لغة البنوك ليس “جريمة” بالضرورة، بل هو جزء من دورة العمل الاقتصادي. و لا يوجد بنك في العالم تخلو محفظته من التعثر، والتسويات التي تجريها البنوك (مثل الحالة المثارة مؤخراً) هي إجراءات فنية وقانونية تهدف لتحصيل حقوق البنك بأفضل وسيلة ممكنة واقل خسائر .
وأخيراً، أرجو أن تطمئنوا على قطاع البنوك في مصر بقيادة البنك المركزي المصري؛ حيث يطبق كافة الإجراءات الاحترازية التي تكفل الحفاظ على أموال المودعين وتساهم بفاعلية في النشاط الاقتصادي.







