خطوة نحو الحياة.. دينا حشيش : “جولدن ييرز” تعيد صياغة الشيخوخة من عبء متصور إلى طاقة ملهمة
في يوم 5 أبريل، 2026 | بتوقيت 9:48 م

حوار: شيرين سامى
• التغيير… من “Walk the Walk Rally” إلى حركة مجتمعية نابضة بالحياة
• “الحركة بركة” فلسفة حياة تتبناها المؤسسة لتعزيز الاندماج والكرامة الإنسانية..
• من تجربة شخصية إلى تأثير جماعى ونموذجًا مستدامًا للدعم والتمكين..
• دعم شراكات الدولة والقطاع الخاص… في بناء منظومة متكاملة للشيخوخة الصحية..
• من المجتمع الرقمي إلى الواقع… كيف نجحت المؤسسة في كسر عزلة كبار السن
حوار ..
في زمنٍ تتسارع فيه إيقاعات الحياة، وتُقاس فيه القيمة أحيانًا بما يُنجز لا بمن يُحتفى به، تظل فئة كبار السن حاملةً لذاكرة المجتمعات وروحها العميقة، تحتاج فقط إلى من يُعيد تسليط الضوء على طاقتها الكامنة، ويمنحها المساحة لتواصل العطاء. من هنا، لا تأتي فعالية “Walk the Walk Rally 2026” بوصفها مجرد حدث رياضي، بل كرسالة إنسانية نابضة بالحياة، تعيد تعريف الشيخوخة باعتبارها مرحلة امتلاء لا انطفاء، وحضور لا غياب.
في قلب حديقة الميريلاند، حيث اجتمعت خطوات أكثر من 3500 مشارك من كبار السن وعائلاتهم، لم يكن المشهد مجرد مسيرة، بل كان إعلانًا حيًا بأن “الحركة بركة” ليست شعارًا عابرًا، بل فلسفة حياة تُعيد وصل الإنسان بذاته ومجتمعه.
فعالية تُترجم على الأرض رؤية متكاملة لدمج كبار السن في نسيج الحياة اليومية، وتؤكد أن العمر لا يُقاس بالسنوات، بل بقدرة الروح على الاستمرار.
وراء هذا الحراك الإنساني المتجدد، تقف دينا حشيش، واحدة من أبرز الأصوات العالمية في قضايا الشيخوخة الصحية، والتي لم تكتفِ بالتنظير، بل خاضت تجربة إنسانية عميقة شكّلت ملامح رسالتها. من تجربة شخصية مع رحلة رعاية والدها، إلى تأسيس مجتمع رقمي داعم خلال جائحة كورونا، وصولًا إلى بناء مؤسسة “جولدن ييرز” التي أصبحت منصة أمل لأكثر من 100 ألف مستفيد—تنسج دينا مسارًا استثنائيًا يجمع بين العلم والخبرة والإنسانية.
اختيارها ضمن قائمة الـ50 قائدًا عالميًا من قبل منظمة الصحة العالمية، وتكريمها محليًا كواحدة من أكثر النساء تأثيرًا، لم يأتِ من فراغ، بل هو انعكاس لرؤية متكاملة تقود تحولًا حقيقيًا في مفهوم الشيخوخة، من عبءٍ اجتماعي إلى طاقة فاعلة ومشاركة. وبين خلفيتها القانونية العميقة وخبرتها الدولية في حوكمة الشركات، استطاعت أن تخلق نموذجًا فريدًا يمزج بين السياسات العامة والعمل المجتمعي، ليُنتج أثرًا ملموسًا ومستدامًا.
في هذا الحوار، نقترب أكثر من دينا حشيش الإنسانة والقائدة، لنفهم كيف يمكن لفكرة أن تتحول إلى حركة، ولتجربة شخصية أن تصبح مشروع تغيير، وكيف يُمكن إعادة صياغة مستقبل الشيخوخة في مصر والمنطقة… خطوة بخطوة.
إلى نص الحوار..
●كيف يسهم الرالي في تغيير الصورة النمطية عن كبار السن في المجتمع؟
الرالي يخلق صورة جديدة لكبار السن في الوعي العام، صورة مليئة بالحيوية، والمشاركة، والقدرة. عندما يرى الناس آلاف كبار السن يمشون معًا، يضحكون، ويشاركون في أنشطة رياضية واجتماعية، يبدأ التصور التقليدي المرتبط بالضعف والعزلة في التغير. كما أن الرالي يوفّر مساحة حقيقية لكبار السن لتكوين صداقات جديدة وبناء علاقات إنسانية، وهو ما يقلل من شعورهم بالوحدة ويعزز إحساسهم بالانتماء. الرالي لا يكتفي بتغيير الصورة، بل يعيد تعريف هذه المرحلة كفترة من العطاء والاندماج.
●ما الرسائل الأساسية التي تستهدفون إيصالها من خلال هذا الحدث؟
أهم رسالة هي أن الشيخوخة ليست نهاية، بل مرحلة جديدة يمكن أن تكون مليئة بالحياة، وأن الاندماج المجتمعي ليس رفاهية، بل عنصر أساسي يؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية والجسدية لكبار السن. كما نعمل على تغيير النظرة للشيخوخة من مرحلة يُنظر إليها كعبء، إلى مرحلة مليئة بالتواصل والإنتاج.
وفي نفس الوقت، يلعب الرالي دورًا مهمًا في جمع كبار السن مع مقدمي الخدمات المختلفة في مكان واحد، من خدمات صحية واجتماعية إلى مبادرات مجتمعية، مما يسهل عليهم الوصول إلى الدعم المناسب، ويعرّفهم بالفرص المتاحة لهم، ويعزز شعورهم بأنهم جزء فاعل ومُقدَّر في المجتمع.
● كيف تدعم وزارة التضامن الاجتماعي مثل هذه المبادرات؟*د
وزارة التضامن الاجتماعي تلعب دورًا مهمًا من خلال رعاية الفعاليات وتوفير الغطاء المؤسسي لها، بالإضافة إلى تسهيل التنسيق مع الجهات المختلفة. كما تساعدنا الوزارة في التواصل مع دور رعاية المسنين التي تحتاج إلى دعم، وتسهّل إنشاء شبكة تعاون بين متطوعينا وهذه الدور لضمان تقديم خدمات ملموسة ومستمرة. هذا الدعم يمنح المبادرات مصداقية وانتشارًا أوسع، ويؤكد أن ملف الشيخوخة هو جزء من الأجندة الوطنية.
● ما الدور الذي تلعبه الشركات والقطاع الخاص في دعم مثل هذه الفعاليات؟
القطاع الخاص شريك أساسي، سواء من خلال الرعاية أو تقديم خدمات ومنتجات تدعم كبار السن. هذه الشراكات لا تقتصر على التمويل، بل تمتد إلى خلق تجارب متكاملة داخل الفعاليات، وتطوير حلول مبتكرة تلبي احتياجات هذه الفئة. كما تتيح للشركات الارتباط بقيم إنسانية حقيقية تعزز من صورتها المجتمعية.
● هل هناك خطط لتوسيع الرالي ليشمل محافظات أخرى مستقبلًا؟
بالفعل، نعمل على توسيع الرالي ليشمل محافظات أخرى من خلال نموذج الفروع المحلية، بحيث يتم تنفيذ الفعاليات بما يتناسب مع طبيعة كل مجتمع. وقد بدأنا بالفعل تنفيذ أنشطة عديدة في الإسكندرية والمنصورة على سبيل المثال، كخطوة أولى للتوسع. هدفنا أن يصبح الرالي حركة وطنية تصل إلى كل محافظة.
● كيف بدأت فكرة مؤسسة “جولدن ييرز”؟
بدأت الفكرة من تجربة شخصية خلال رعايتي لوالدي، حيث لاحظت حجم العزلة والتحديات التي يواجهها كبار السن وأسرهم. مع الوقت، تحولت هذه التجربة إلى مبادرة رقمية بسيطة على فيسبوك، ثم تطورت إلى مجتمع كبير (يضم اليوم أكثر من 100 ألف مستفيد)، ومنها إلى مؤسسة تعمل على بناء منظومة متكاملة للشيخوخة الصحية في مصر.
● ما أبرز الخدمات التي تقدمها المؤسسة لكبار السن اليوم؟
نقدم مجموعة متنوعة من البرامج التي تركز على بناء مجتمع حيوي ومترابط لكبار السن، من خلال أنشطة اجتماعية وثقافية مستمرة مثل نادي الكتاب الشهري، والاحتفال بأعياد الميلاد، والتي تعزز الإحساس بالانتماء والفرح. كما لدينا كورال لكبار السن قدّم العديد من الحفلات، من بينها حفلات على مسارح كبرى مثل دار الأوبرا، وهو ما يعزز الثقة بالنفس ويكسر الصورة النمطية عنهم.
بالإضافة إلى ذلك، ننظم رحلات ميدانية وزيارات ثقافية، وأنشطة يدوية مثل الأشغال اليدوية التي تتيح لهم التعبير عن أنفسهم وإنتاج أعمال فنية. ونكمل هذه الأنشطة بورش عمل صحية وتوعوية، وتدريبات على المهارات الرقمية، إلى جانب توفير مساحات للدعم والتواصل، وربطهم بشبكة موثوقة من الأطباء والخدمات.
● كيف ساهم المجتمع الرقمي الذي أنشأتموه في تقليل عزلة كبار السن؟
المجتمع الرقمي كان نقطة البداية لكسر العزلة، حيث أتاح لكبار السن ومقدمي الرعاية مساحة للتعبير، وطرح الأسئلة، ومشاركة التجارب. لكن الأثر الحقيقي كان في بناء شبكة من العلاقات والصداقات الجديدة بين الأعضاء، وهو ما خلق إحساسًا قويًا بالانتماء والدعم.
قمنا أيضًا بتقسيم المجتمع إلى مجموعات أصغر حسب المناطق الجغرافية، مما سهّل على كبار السن التعارف مع أشخاص يعيشون بالقرب منهم، وبالتالي التحول من تواصل رقمي إلى لقاءات حقيقية وعلاقات مستمرة على أرض الواقع.
وفي الوقت نفسه، لعب المجتمع دورًا مهمًا في ربط مقدمي الرعاية ببعضهم البعض، حيث تبادلوا الخبرات والدعم النفسي والعملي. هذا الترابط لم ينعكس فقط على مقدمي الرعاية، بل ساهم بشكل مباشر في تحسين جودة حياة كبار السن أنفسهم، من خلال رعاية أكثر وعيًا واتصالًا.
● ما أهم التحديات التي واجهتكم في تغيير ثقافة التعامل مع الشيخوخة؟
أكبر تحدٍ كان تغيير الصورة الذهنية الراسخة عن كبار السن، والتي تربط التقدم في العمر بالضعف والاعتماد. كذلك، واجهنا تحديات في إقناع المجتمع بأهمية البعد الاجتماعي والنفسي للشيخوخة، وليس فقط الطبي.
ومن التحديات المهمة أيضًا كانت الحاجة إلى بناء شراكات قوية مع القطاع الخاص، لأن تغيير الثقافة على نطاق واسع يتطلب تضافر جهود متعددة، وليس فقط العمل المجتمعي. التعاون مع الشركات يساهم في توسيع الوصول، وتوفير موارد مستدامة، وتقديم خدمات ومنتجات تلبي احتياجات كبار السن بشكل مبتكر. لذلك، كان العمل على بناء هذه الشراكات وتعزيز دور القطاع الخاص جزءًا أساسيًا من رحلتنا لإحداث تغيير حقيقي ومستدام.
● ما الذي دفعكِ شخصيًا للتركيز على ملف الشيخوخة الصحية؟
تجربتي الشخصية مع والدي كانت نقطة التحول، حيث أدركت أن الشيخوخة ليست مجرد حالة صحية، بل تجربة إنسانية متكاملة. هذه التجربة كشفت لي فجوة كبيرة في الدعم والخدمات، وألهمتني للعمل على بناء نموذج مختلف قائم على الكرامة والاندماج.
● ما رؤيتك لمستقبل رعاية كبار السن في مصر خلال السنوات القادمة؟
أتطلع إلى منظومة متكاملة تضع كبار السن في قلب السياسات العامة، وتوفر لهم خدمات صحية واجتماعية متطورة، وفرصًا حقيقية للمشاركة. أرى مستقبلًا تصبح فيه الشيخوخة مرحلة نشطة ومُقدَّرة، مدعومة بتكنولوجيا، وشراكات قوية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
● كيف يمكن ربط مبادرات مثل هذا الرالي برؤية مصر 2030؟
الرالي يتماشى مع أهداف رؤية مصر 2030 في تعزيز جودة الحياة، والصحة، والاندماج المجتمعي. من خلال تشجيع النشاط البدني، ودعم الصحة النفسية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، يساهم الرالي بشكل مباشر في تحقيق هذه الأهداف.
● ما أهمية بناء “مجتمعات صديقة لكبار السن” في مصر؟
بناء مجتمعات صديقة لكبار السن يعني تصميم بيئة شاملة تحترم احتياجاتهم وتدعم استقلاليتهم. هذا لا يعود بالنفع على كبار السن فقط، بل على المجتمع ككل، لأنه يعزز الترابط الاجتماعي ويستفيد من خبراتهم.
● كيف يمكن للحكومة والقطاع الخاص التعاون لتطوير منظومة رعاية طويلة الأجل؟
التعاون يمكن أن يتم من خلال شراكات استراتيجية تجمع بين الموارد والخبرات، مثل تطوير خدمات الرعاية المنزلية، وبرامج التدريب، والبنية التحتية. وجود إطار تنظيمي واضح يشجع الاستثمار في هذا المجال سيكون عاملًا حاسمًا.
● ما الخطوات المطلوبة لضمان استدامة تأثير هذه المبادرات؟
الاستدامة تتطلب تنويع مصادر التمويل، وبناء شراكات قوية، وتدريب كوادر قادرة على قيادة العمل، بالإضافة إلى قياس الأثر وتوثيق التجارب. كما أن تمكين المجتمع نفسه من قيادة المبادرات يضمن استمرارها.
● ما الرسالة التي تودين توجيهها للمجتمع حول أهمية دعم وتمكين كبار السن؟
رسالتي هي أن كبار السن ليسوا عبئًا، بل قيمة كبيرة وخبرة متراكمة. دعمهم وتمكينهم هو استثمار في مجتمع أكثر إنسانية وتماسكًا. الطريقة التي نتعامل بها مع كبار السن اليوم، هي انعكاس للمستقبل الذي نريده لأنفسنا.







