“شروق إبراهيم” فى تحليلها للأسواق : الذهب يفقد بريقه في زمن الأزمات .. هل تغيرت قواعد الملاذ الأمن ؟
في يوم 30 مارس، 2026 | بتوقيت 3:08 م

كتب: العالم اليوم
قالت “شروق إبراهيم”، محللة فنيه فى الأسواق العالميه والمدربة المتخصصة في أسواق المال في اكاديميه “اكتفاء”، وعضو جمعيه المحللين الفنيين المصريه والاتحاد الدولي للمحللين الفنيين، فى تحليلها لآداء الأسواق العالمية :” لماذا يتراجع الذهب رغم تصاعد التوترات العالمية؟ .
أضافت، أن الأسواق العالمية تشهد حالة من التناقض اللافت، حيث تتصاعد التوترات الجيوسياسية وتزداد المخاطر العالمية، في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يواصل الذهب صعوده باعتباره الملاذ الآمن الأول للمستثمرين.
لكن الواقع جاء مختلفًا، إذ سجلت أسعار الذهب تراجعات ملحوظة، وهو ما أثار تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الأداء غير المتوقع.

تعكس هذه التحركات حقيقة أساسية في الأسواق الحديثة، وهي أن الذهب لم يعد يتحرك فقط بناءً على الأحداث الجيوسياسية، بل أصبح أكثر ارتباطًا بعوامل أخرى، في مقدمتها السياسة النقدية، وقوة الدولار، وتحركات السيولة العالمية، إلى جانب القراءة الفنية لحركة الأسعار.
السياسة النقدية… الفائدة المرتفعة تفرض كلمتها :
يُعد قرار تثبيت أسعار الفائدة من قبل الفيدرالي الأمريكي إلى جانب تلميحات الفيدرالي الأمريكي بإمكانية الإبقاء على السياسة النقدية المشددة لفترة أطول، أحد أهم العوامل التي ضغطت على أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة.
فعلى الرغم من أن تثبيت الفائدة قد يبدو ظاهريًا عاملًا محايدًا، إلا أن الأسواق لا تتعامل مع القرار الحالي فقط، بل مع التوقعات المستقبلية. وترقب استمرار التشديد النقدي يدفع السيولة نحو الأصول التي تحقق عائدًا، مثل السندات، على حساب الذهب الذي لا يدر عائدًا.
وفي هذا السياق، تظل نبرة الفيدرالي وتوقعات السوق المستقبلية هي العامل الحاسم، وليس القرار في حد ذاته.
االنفط يخطف الأضواء… والطاقة تقود المشهد :
ساهمت الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط والغاز في خلق ضغوط إضافية على الأسواق العالمية، إلا أن تأثيرها على الذهب لم يكن في اتجاه واحد.
فمن ناحية، يدعم ارتفاع أسعار الطاقة معدلات التضخم، ما يعزز من جاذبية الذهب كأداة للتحوط.
لكن من ناحية أخرى، يدفع هذا التضخم البنوك المركزية إلى التمسك بسياسات نقدية مشددة لفترة أطول، وهو ما يدعم قوة الدولار ويرفع العوائد، ليشكل في النهاية ضغطًا على الذهب.
وفي ظل هذه المعادلة، كان تأثير السياسة النقدية هو العامل الأكثر ترجيحًا في حركة الذهب خلال الفترة الأخيرة.
الدولار يتفوق… والسيولة تعيد توجيه مسارها :
كما يظل الدولار الأمريكي أحد أهم العوامل المؤثرة في أسعار الذهب، حيث تربط بينهما علاقة عكسية في أغلب الأوقات.
ومع استمرار قوة الدولار خلال الفترة الأخيرة، مدعومًا بتوقعات الفائدة المرتفعة، تعرض الذهب لضغوط واضحة، إذ يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، مما يقلل من الطلب عليه.
ومع ذلك، تختلف هذه العلاقة باختلاف توقيت السوق وطبيعة رد فعل المستثمرين، إذ قد يشهد الذهب والدولار تحركات متزامنة في فترات التوتر الشديد، لكن الاتجاه الغالب يظل خاضعًا لمعادلة العائد والسيولة.
تسييل المحافظ … السيولة تبحث عن الفرص :
من العوامل المهمة أيضًا التي ساهمت في تراجع الذهب، اتجاه بعض المستثمرين إلى تسييل مراكزهم في المعدن الأصفر، بهدف إعادة توجيه السيولة نحو أسواق أخرى.
فبعد التراجعات التي شهدتها بعض أسواق الأسهم، ظهرت فرص استثمارية جذابة، ما دفع شريحة من المستثمرين إلى الخروج من الذهب والدخول في هذه الأسواق للاستفادة من الأسعار المنخفضة.
كما قد يرتبط هذا التسييل في بعض الأحيان بإعادة توزيع المخاطر أو تلبية متطلبات السيولة، وهو ما يعكس طبيعة الأسواق الحديثة التي تتحرك فيها الأموال بسرعة بين الأصول المختلفة بحثًا عن أفضل عائد ممكن.
الأسواق لا تتحرك بالمنطق التقليدي .. بل بالسيولة والتوقعات :
في النهاية، ما يحدث في الذهب اليوم ليس استثناءً، بل انعكاس مباشر لطبيعة الأسواق الحديثة.
فالذهب لم يعد يتحرك فقط مع الخوف، بل أصبح يتحرك مع السيولة، والعائد، والتوقعات المستقبلية.
وفي لحظة واحدة، يمكن أن تتغلب قوة الدولار، أو قرار فائدة، أو تحرك سيولة ذكية على تأثير توتر جيوسياسي، وهو ما يفسر حالة التباين التي تشهدها الأسواق حاليًا.
وهنا تكمن المفارقة:
ليس كل تصاعد في المخاطر يعني صعود الذهب، وليس كل هبوط يعني ضعف المعدن، بل قد يكون إعادة تموضع للسيولة قبل الحركة القادمة، ومع استمرار هذه المعادلة المعقدة، يظل السؤال مفتوحًا:
هل ما نشهده الآن مجرد هبوط مؤقت… أم بداية لمرحلة مختلفة في تسعير الذهب عالميًا؟
الإجابة لن تأتي من الأحداث فقط… بل من كيفية تسعير الأسواق لهذه الأحداث.
النظرة الفنية… تصحيح طبيعي بعد صعود قوي :
دخلت أسعار الذهب مرحلة تصحيح بعد تسجيل مستويات قياسية قرب 5,500 دولار، حيث ظهرت ضغوط بيعية واضحة دفعت السعر للتراجع من القمة.
يتداول الذهب حاليًا بالقرب من دعم مهم عند 4,400 – 4,300 دولار؛ كسره قد يدفع الأسعار نحو 4,000 ثم 3,890 دولار، بينما الثبات أعلى هذا النطاق قد يفتح المجال لارتداد باتجاه 4,700 – 4,900 دولار.
ورغم التراجع، لا يزال الاتجاه العام صاعدًا على المدى الطويل، فيما تُعد الحركة الحالية تصحيحًا طبيعيًا بعد موجة ارتفاع قوية، مع بقاء السوق في انتظار إشارة حاسمة لتحديد الاتجاه القادم.
هل تغيرت قواعد الملاذ الآمن ؟
ما يحدث في الأسواق حاليًا يشير إلى تحول جوهري في مفهوم “الملاذ الآمن”، حيث لم يعد الذهب يتحرك فقط بناءً على التوترات الجيوسياسية، بل أصبح أكثر ارتباطًا بعوامل أخرى، أبرزها:
السياسة النقدية، قوة الدولار، مستويات السيولة العالمية، تحركات العوائد
هذا التغير يعكس تطور الأسواق المالية وتعقيدها، حيث لم تعد ردود الفعل تقليدية كما في السابق.
خلاصة المشهد :
رغم تصاعد الحرب بين إيران وإسرائيل، فإن تراجع الذهب لا يُعد ظاهرة غير منطقية، بل نتيجة تداخل عدة عوامل اقتصادية ومالية، أبرزها:
صعود الدولار الأمريكي، استمرار الفائدة المرتفعة، تحول السيولة نحو الطاقة، عمليات جني الأرباح، زيادة الطلب على النقد.
الرسالة الأهم من هذه التحركات هي أن الأسواق لم تعد تتحرك وفق قواعد ثابتة، بل أصبحت تعتمد على توازن معقد بين السياسة النقدية والسيولة والتوقعات المستقبلية.
وبالتالي، فإن فهم حركة الذهب اليوم يتطلب النظر إليه ضمن منظومة متكاملة تشمل الدولار، الفائدة، والطاقة، وليس فقط كملاذ آمن تقليدي.







