علي عبد القادر نائب رئيس لجنة التصدير بجمعية رجال الاعمال ل ” العالم اليوم “: الأسمدة والألومنيوم والبتروكيماويات قطاعات متاثرة من غلق مضيق هرمز ..والارتفاع الحاد في الأسمدة وانقطاع إمداداتها ينذر بكارثة

التحدي الحقيقي ليس في فتح المضيق بل في بناء سلاسل إمداد أكثر قدرة على تحمل الصدمات المستقبلية

الألومنيوم سجلت أعلى مستوى منذ أربع سنوات و هذا الارتفاع الجنوني سينعكس علي السيارات ومختلف السلع

في يوم 24 مارس، 2026 | بتوقيت 6:30 ص

كتب: مني البديوي

 

” التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم ليس فقط في إيجاد حل سياسي لفتح مضيق هرمز بل في كيفية بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة وقدرة على تحمل الصدمات المستقبلية لضمان ألا يبقى طعامنا وصناعاتنا رهينة لتقلبات المضيق..”…. بهذه العبارات التي لخصت أزمة كبري ألقت بظلالها علي الاقتصاد العالمي ككل نتيجة إغلاق مضيق هرمز وما تسبب فيه ذلك من اضطراب شديد بسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية تحدث علي عبد القادر نائب رئيس لجنة التصدير بجمعية رجال الاعمال المصريين في حواره مع ” العالم اليوم” ، مؤكدا ان بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة وقدرة على تحمل الصدمات المستقبلية يتطلب استثمارات ضخمة في البحث عن موارد بديلة مثل الطاقة المتجددة وتنويع مصادر الإمداد لعدم الاعتماد على منطقة واحدة وبناء احتياطيات إستراتيجية كافية للسلع الأساسية.

وشدد علي ان الوقت محدود للغاية والعالم ينتظر قيادة حكيمة وقرارات جريئة ومسؤولة لتجنب كارثة اقتصادية حقيقية قد تعادي بعمقها أزمة 2008 المالية.

وأكد أن إغلاق مضيق هرمز تسبب في تبعات ” كارثية” علي المنطقة والاقتصاد العالمي ككل وخاصة وان أهميته لا تقتصر على كونه معبراً للنفط بل يمثل شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية الشاملة حيث يمر عبره نحو 11% من حجم التجارة العالمية وأكثر من 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً بما يعادل نحو 20 مليون برميل يومياً كما يمر عبره نحو 20% من الغاز الطبيعي المسال العالمية و4% من تجارة الحاويات العالمية.

واوضح ان اي تعطيل للملاحة في هذا المضيق يعني شللاً شبه تام في حركة الاقتصاد العالمي وهو ما نلمس تداعياته حالياً في 3 قطاعات رئيسية غير نفطية وهي الأسمدة والألومنيوم والبتروكيماويات.

واضاف ان أزمة الأسمدة تعتبر من أخطر التداعيات المباشرة لإغلاق مضيق هرمز نظراً لارتباطها الوثيق بالأمن الغذائي العالمي ، مشيرا الي انه قبل عام 2022 كانت روسيا وبيلاروسيا تلعبان دوراً محورياً في توفير أكثر من 20% من احتياجات العالم من الأسمدة ولكن مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وفرض العقوبات الغربية الصارمة اضطر العالم وخاصة القارة الأوروبية للبحث عن بدائل آمنة ومستدامة و هنا برز دور دول الخليج العربي كمنقذ للزراعة العالمية فقد أصبحت منطقة الخليج المنتج الرئيسي لنسبة مذهلة تبلغ 49% من صادرات سماد “اليوريا” في العالم ومع إغلاق مضيق هرمز فقد العالم فجأة هذا المصدر الأساسي والبديل مما أدى إلى قفزة فورية في أسعار الأسمدة بنسبة 35% بمجرد الإعلان عن الإغلاق.

واردف : ان هذا الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة وانقطاع إمداداتها ينذر بكارثة حقيقية على مستوى إنتاج الغذاء فالمزارعون حول العالم سيواجهون صعوبات جمة في الحصول على الأسمدة الضرورية لمحاصيلهم مما سيؤدي حتماً إلى تراجع الإنتاجية الزراعية وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية وهو ما يضع ملايين البشر أمام خطر أزمة غذائية حقيقية وتفاقم مستويات الجوع عالمياً !.

وقال ان الأرقام الصادمة تشير إلى أن دول الخليج صدّرت ما قيمته 50 مليار دولار من الأسمدة النيتروجينية في الفترة ما بين 2020 و2025 وحدها وان هذا الحجم الضخم من الصادرات يعكس الاعتماد الشديد للعالم على هذه الدول ، مشيرا الي انه بانقطاع هذا التدفق ستواجه الدول المستوردة للأسمدة وخاصة في أفريقيا وآسيا أزمة حقيقية في توفير الغذاء لسكانها مما قد يؤدي إلى موجات هجرة قسرية وعدم استقرار اجتماعي.

وشدد عبد القادر علي ان الصدمة لم تقتصر على قطاع الغذاء بل امتدت لتضرب عصب الصناعات الثقيلة والمتقدمة وتحديداً صناعة السيارات والطائرات من خلال صناعة الالومنيوم.

واستطرد : انه تاريخياً كانت روسيا تحتل المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج الألومنيوم وكما حدث في قطاع الأسمدة أدت العقوبات الغربية إلى خنق الإنتاج الروسي من هذا المعدن الحيوي ولتجاوز هذه الأزمة اتجهت مصانع السيارات وشركات الطيران الكبرى للاعتماد بشكل شبه كلي على مصاهر الألومنيوم الضخمة المتواجدة في دول الخليج وتحديداً في مملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ، لافتا الي انه مع إغلاق مضيق هرمز انقطع هذا الشريان الصناعي الحيوي بشكل مفاجئ والنتيجة كانت كارثية على الأسواق العالمية حيث قفزت أسعار الألومنيوم لتسجل أعلى مستوى لها منذ أربع سنوات وان هذا الارتفاع الجنوني في تكلفة المواد الخام سيترجم فوراً إلى ارتفاع في أسعار السيارات الجديدة وقطع غيار الطائرات ومختلف السلع التي تعتمد على الألومنيوم في تصنيعها مما يضيف عبئاً جديداً على المستهلك النهائي ويهدد بتباطؤ النمو الصناعي العالمي.

واردف : ان المشكلة الإضافية هنا أن مصاهر الألومنيوم لا يمكن إيقافها وتشغيلها بسهولة فهذه المصانع تعمل بشكل مستمر وأي انقطاع في الكهرباء أو الموارد الخام يمكن أن يسبب أضراراً جسيمة للمعدات لذلك فإن العاملين في هذه المصاهر يواجهون معضلة حقيقية: إما الاستمرار في الإنتاج دون القدرة على التصدير أو إيقاف الإنتاج وتحمل خسائر هائلة هذا الوضع الحرج يعكس مدى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.

واضاف نائب رئيس لجنة التصدير بجمعية رجال الاعمال ان القطاع الثالث الذي تلقى ضربة موجعة هو قطاع البتروكيماويات والذي يعتبر العصب الأساسي للعديد من الصناعات الحديثة وتبرز هنا مادة “الإثيلين” كأحد أهم المكونات التي تأثرت بشدة والتي تعد الأساس الذي تقوم عليه صناعة البلاستيك بمختلف أنواعها بدءاً من مواد التغليف البسيطة وصولاً إلى قطع الغيار المعقدة المستخدمة في مختلف الصناعات ونتيجة لإغلاق مضيق هرمز أصبحت حوالي 15% من إمدادات الإثيلين العالمية محتجزة وغير قادرة على الوصول إلى الأسواق العالمية.

وشدد علي ان هذا النقص الحاد في الإمدادات سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف التعبئة والتغليف وهو ما سينعكس على أسعار جميع السلع الاستهلاكية تقريباً موضحا ان المنتجات الغذائية والأدوية والإلكترونيات كلها تعتمد على البلاستيك في التغليف والحماية و المشهد المتوقع هو أن تشهد الأسواق العالمية نقصاناً حاداً في توفر مواد التغليف مما سيضطر الشركات المصنعة إما إلى تقليل إنتاجها أو البحث عن بدائل مكلفة وأقل كفاءة.

واكد ان هذا التأثير المتسلسل سيمتد إلى كل قطاع تقريباً من الأغذية إلى الأدوية إلى السلع الاستهلاكية مما يخلق ضغطاً تضخمياً عاماً على الاقتصاد العالمي.

وقال ان الخبراء يتفقون على أن العالم مقبل على موجة عاتية مما يُعرف بـ “تضخم التكاليف” خلال الأشهر القليلة القادمة حيث ان هذه الصدمة المزدوجة التي ضربت قطاعات الغذاء والصناعة والتغليف ستؤدي إلى ارتفاع شامل في أسعار السلع والخدمات مما سيرهق ميزانيات الأسر ويزيد من معدلات التضخم العالمية التي تعاني منها الاقتصادات الكبرى بالفعل
الأمر الأكثر قلقا هو أن الأضرار التي لحقت بسلاسل الإمداد العالمية ليست من النوع الذي يمكن إصلاحه بين عشية وضحاها فحتى لو تم فتح مضيق هرمز اليوم وعادت حركة الملاحة إلى طبيعتها فإن عملية ترميم وإصلاح هذا الدمار الهيكلي في سلاسل التوريد وإعادة بناء المخزونات الإستراتيجية واستقرار الأسواق ستستغرق أشهراً طويلة وربما سنوات فهذه السلاسل بُنيت عبر عقود من الاستثمارات الضخمة والعلاقات المعقدة وإعادة بناؤها ستتطلب وقتاً طويلاً واستثمارات ضخمة لا تقل عن عشرات المليارات من الدولارات.

واضاف ان هناك أيضاً الآثار النفسية والسلوكية على الأسواق فعندما يشعر المستهلكون بنقص الموارد والخوف من ارتفاع الأسعار يتجهون إلى الشراء بكميات كبيرة مما يزيد من الضغط على المخزونات ويسرع من ارتفاع الأسعار هذا السلوك الجماعي يمكن أن يؤدي إلى نقص حقيقي في بعض السلع الأساسية مما يفاقم الأزمة

واكد ” عبد القادر ” أن تأثير إغلاق مضيق هرمز لن يكون موحداً على جميع دول العالم فالدول الآسيوية وخاصة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ستتحمل الجزء الأكبر من الضغط نظراً لأن 83% من تدفقات الطاقة عبر المضيق تتجه إلى آسيا. هذه الدول ستواجه ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة والمواد الخام مما قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي حاد ، أما أوروبا فستشعر بتأثير مباشر على قطاع الزراعة والصناعة خاصة وأنها اعتمدت بشكل كبير على أسمدة الخليج بعد فقدان المصادر الروسية. الولايات المتحدة رغم أنها أقل اعتماداً على الخليج مقارنة بآسيا ستشعر بالتأثيرات غير المباشرة من خلال ارتفاع أسعار الواردات والسلع المستوردة إن إغلاق مضيق هرمز أثبت للعالم أجمع مدى هشاشة النظام الاقتصادي العالمي واعتماده المفرط على نقاط اختناق جغرافية محددة لقد تجاوزت الأزمة حدود الجغرافيا السياسية لتصبح أزمة معيشية تمس كل فرد على الارض فمن رغيف الخبز الذي نأكله مروراً بالسيارة التي نقودها وصولاً إلى غلاف السلعة التي نشتريها بات كل شيء تحت رحمة هذا الممر المائي الضيق.