محمد خطاب : لماذا يبدو من المبكر الحديث عن مكاسب عقارية من الحرب؟

لا حديث عن الغنائم يا سادة ..

في يوم 12 مارس، 2026 | بتوقيت 5:56 م

كتبت: شيرين محمد

اكد محمد خطاب الخيير العقارى والرئيس التنفيذي لشركة بن باز للتطوير العقارى ان مع كل أزمة جيوسياسية كبرى .. تظهر موجة من التحليلات السريعة التي تحاول استنتاج الفائزين والخاسرين قبل أن تتضح الصورة.
وفي ظل الحرب الدائرة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى .. بدأ يتكرر سؤال واحد داخل دوائر الاستثمار والعقار في مصر

هل ستؤدي هذه الحرب إلى زيادة الطلب على العقار في مصر؟

لكن الحقيقة أن هذا السؤال في ذاته قد يكون سؤالًا سابقًا لأوانه.
بل إن محاولة الإجابة عليه الآن قد تقود إلى استنتاجات متسرعة لا تعكس تعقيد المشهد الاقتصادي والسياسي في المنطقة.

فالحروب لا تُقرأ بنتائجها المباشرة فقط .. بل بتبعياتها الممتدة.
الحرب ليست حدثًا .. بل سلسلة من التبعات

الخطأ الأكثر شيوعًا في التحليلات المتداولة هو التعامل مع الحرب باعتبارها حدثا منفصلا يمكن قياس أثره فورا.
بينما الحقيقة أن الحروب تُحدث سلسلة طويلة من التأثيرات مثل تذبذب الاسواق المالية وما يترتب هلى ذلك من ارجاء القرارات الاستثمارية الكبرى

ولهذا فإن الحديث المبكر عن مكاسب اقتصادية محتملة لبعض الأسواق يذكرنا بالمقولة الشهيرة في فيلم “الناصر صلاح الدين” حين قال ملك إنجلترا “لا حديث عن الغنائم الآن.”

فاللحظة ليست لحظة توزيع مكاسب او توقعات متعجلة بل لحظة مراقبة وقراءة تبعات

الخليج ليس سوقًا هشًا
أحد الافتراضات الشائعة اليوم هو أن أي اضطراب أمني في الخليج قد يدفع رؤوس الأموال أو الأفراد إلى البحث عن ملاذات بديلة مثل مصر .. وهو ما قد يزيد الطلب على العقار المصري.

لكن هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أساسية ..
ان اقتصادات الخليج ليست اقتصادات هشة

بل هي أسواق تمتلك احتياطيات مالية ضخمة وقدرة كبيرة على استعادة الاستقرار

وبالتالي فإن أي اضطراب أمني مؤقت لا يعني بالضرورة نزوحا طويل الأمد للاستثمارات أو الطلب العقاري من تلك الأسواق.

ما بعد الحرب قد يكون مختلفا تماما
إذا افترضنا أن الحرب الحالية قد تكون محدودة الهدف وتسعى أساسا إلى إضعاف القدرات الإيرانية وتقليص قدرتها على تهديد الإقليم .. فإن انتهاءها خاصة إذا حدث بسرعة قد يؤدي إلى نتيجة مختلفة تماما عما يتوقعه البعض.

فانخفاض مستوى التوتر الإقليمي قد يعني تراجع المخاطر السياسية وبالتالي عودة الثقة الاستثمارية واستعادة الأسواق الخليجية لجاذبيتها بسرعة

وفي هذه الحالة قد لا تتجه رؤوس الأموال إلى الخروج من الخليج .. بل ربما يحدث العكس تمامًا

عودة أقوى للاستثمار داخل هذه الأسواق.
وهنا يصبح الافتراض بأن الحرب ستؤدي تلقائيا إلى انتعاش الطلب العقاري في مصر افتراضا مبسطا يتجاهل ما قد يحدث بعد انتهاء الصراع.

العقار المصري لا يتحرك بعامل الأمان فقط
صحيح أن عنصر الأمان يلعب دورا مهما في قرارات الاستثمار العقاري .. وربما تستفيد مصر بدرجة ما من صورتها كدولة كبيرة ومستقرة مقارنة ببعض مناطق التوتر.

لكن الطلب على العقار لا يتشكل فقط بعامل الأمان.

لذلك فإن اختزال الطلب العقاري في مصر في عامل واحد فقط هو اختزال مخل بالواقع الاقتصادي.

ومن جانب اخر
هناك افتراض آخر بدأ يتكرر داخل السوق العقاري .. وهو أن ارتفاع الدولار او اسعار الطاقة نتيجة الحرب يجب أن ينعكس فورا في شكل زيادات في أسعار العقارات.

لكن هذا الاستنتاج أيضا يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
صحيح ن ارتفاع أسعار الطاقة أو سعر الصرف قد يؤثر على تكلفة البناء .. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذه التغيرات مستدامة أو طويلة الأمد.

ففي حال انتهاء الحرب بسرعة قد تتراجع هذه الضغوط بنفس السرعة التي ظهرت بها.

وهنا يجب التمييز بوضوح بين أمرين مختلفين التكلفة .. والطلب.

ارتفاع التكلفة لا يعني تلقائيا أن السوق يمتلك القدرة على استيعاب زيادات سعرية جديدة.

بل إن اتخاذ قرارات تسعير متسرعة في الوقت الحالي قد يزيد من حالة الارتباك داخل السوق العقاري في مصر .. خاصة وأن السوق خرج للتو من فترة طويلة من الارتفاعات السعرية الحادة بين عامي 2022 و2024، وهي فترة شهدت قدرًا كبيرًا من المضاربات والتسعير المبالغ فيه في بعض الحالات.

ولهذا فإن القرار الأكثر حكمة بالنسبة للمطورين في هذه المرحلة هو الترقب والحذر.

فليس من الضروري أن ينعكس كل تغير في سعر الدولار أو الطاقة فورا في قوائم الأسعار العقارية.
بل من الأفضل انتظار استقرار المشهد الاقتصادي والجيوسياسي أولا .. ثم تقييم ما إذا كانت هذه التغيرات مؤقتة أم مستدامة.

فإذا ثبت لاحقا أن هناك ارتفاعا حقيقيا ومستمرا في تكلفة البناء .. يمكن حينها تعديل الأسعار في التوقيت المناسب وبالنسبة المناسبة.

خلاصة الكلام
ليس هذا هو الوقت المناسب للحكم على تأثير الحرب على قطاع العقارات في مصر .. لا بالسلب ولا بالإيجاب

واي حديث حاسم الآن عن انتعاش مرتقب للعقار المصري بسبب الحرب هو حديث يفتقر إلى النضج التحليلي

فالحروب لها تبعات ممتدة .. والخليج ليس سوقا هشا .. والأسواق المستقرة عادة ما تمتلك قدرة عالية على التعافي

وربما تستفيد مصر لاحقا بدرجة ما من صورتها كدولة مستقرة .. لكن هذه الاستفادة إن حدثت ستكون على الأرجح محدودة وانتقائية .. وليست بالمعدلات الدرامية التي يتحدث عنها البعض الآن

ولهذا فإن الموقف الأكثر وعيا ليس البحث عن مكاسب سريعة في لحظة اضطراب
بل قراءة المشهد بهدوء .. وانتظار ما ستكشفه المرحلة التالية