قراءة في تداعيات الصراع ودور السياسات الاقتصادية
في يوم 6 مارس، 2026 | بتوقيت 10:56 م

كتب: العالم اليوم
بعد أشهر من الترقب والتهديدات المتبادلة، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية واسعة النطاق استهدفت أكثر من 2000 هدف داخل العمق الإيراني. الضربات التي طالت العاصمة طهران ومنشآت عسكرية وأمنية حيوية، أحدثت زلزالاً استراتيجياً ارتدت موجاته على كامل أرجاء المنطقة، مع تداعيات متصاعدة على الاقتصادات كافة.
في خضم هذه العاصفة الجيوسياسية، التي تسببت في صدمات حادة لقطاعات حيوية مثل السياحة، والممرات المائية الدولية كقناة السويس ومضيق هرمز، وضغوط متزايدة على أسواق العملة الأجنبية نتيجة تحركات الأموال الساخنة، يبرز دور البنك المركزي المصري في إدارة تداعيات الأزمة، ضمن إطار سياسات نقدية تستهدف الحفاظ على الاستقرار.
لم تكن تحركات البنك المركزي مجرد رد فعل للأزمة، بل جاءت استمرارًا لنهج قائم على المرونة والترقب. فقبل التصعيد الأخير بأيام، أقدم البنك على خفض أسعار الفائدة، مع إشارته الواضحة إلى استعداده لتعديل أدوات سياسته وفقًا لتطورات المشهد الإقليمي. ومع بدء موجة خروج الأموال الساخنة، اختار البنك نهج “المرونة المدارة” لسعر الصرف، تاركًا إياه للتحرك وفق آليات العرض والطلب، وهي خطوة ساهمت في امتصاص جزء من الضغط تدريجيًا، والحفاظ على مصداقية السياسة النقدية، ومنع عودة التشوهات في السوق الموازية.
في الوقت نفسه، يواجه الاقتصاد المصري اختبارًا حقيقيًا مع صدمة أسعار الطاقة العالمية، التي قفزت بنحو 13% متجاوزة 82 دولارًا للبرميل نتيجة تهديدات إمدادات النفط. وهنا تبرز بعض العوامل التي قد تساعد في احتواء التداعيات، من بين هذه العوامل: مشروعات البنية الأساسية في قطاع الطاقة التي وفرت مخزونات استراتيجية تساهم في تأمين الاحتياجات لفترة مدروسة، والتوسع في استخدام الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة بما يقلص الاعتماد على المشتقات المستوردة، إلى جانب آلية التسعير التلقائي التي توزع تأثير الزيادات العالمية على فترات، واستمرار البنك المركزي في سياسات استهداف التضخم للحد من انتقال الصدمة بالكامل إلى الأسعار النهائية.
ويتمتع الاقتصاد المصري ببعض المزايا النسبية التي قد تساهم في تخفيف حدة التأثيرات، مثل تنوع القطاعات الاقتصادية. فبينما تتعرض السياحة وقناة السويس لضغوط، يمكن لقطاعات أخرى أن تشهد أنشطة استثنائية، مثل تحول الأجواء المصرية إلى ممر آمن للطيران المدني، مما يدر إيرادات إضافية ويعزز موقع مصر الإقليمي. كما أن الاحتياطيات الأجنبية المتراكمة خلال الفترة الماضية توفر هامشًا من الأمان للوفاء بالالتزامات الخارجية، في وقت تواصل فيه الدبلوماسية الاقتصادية جهودها لتنويع مصادر الدعم والحفاظ على الشراكات التجارية.
خلاصة القول، إن ما تمر به مصر يمثل اختبارًا حقيقيًا لمرونة الاقتصاد والسياسات الاقتصادية في مواجهة أزمات إقليمية بالغة التعقيد. ومن خلال التوازن الذي تحاول السياسة النقدية الحفاظ عليه، والاستفادة من البنية التحتية المتطورة نسبيًا في قطاع الطاقة، وتسعى لامتصاص الصدمات تدريجيًا، تبدو المؤشرات الأولية قادرة على احتواء جزء من التداعيات، رغم استمرار حالة عدم اليقين والتحديات الكبيرة التي تفرضها طبيعة الصراع الإقليمي المتصاعد.







