في أول حوار صحفي له بعد دراسته حول” السد الاثيوبي”… د. هشام العسكري استاذ الاستشعار عن بعد بجامعة تشابمان بكاليفورنيا ل ” العالم اليوم”: سد “السرج” الملحق بسد النهضة الاثيوبي بؤرة نشطة للمخاطر الجيولوجية..وفيضانات كارثية تهدد السودان ومصر
في يوم 3 مارس، 2026 | بتوقيت 7:38 ص

كتب: مني البديوي
” سد “السرج” الملحق بسد النهضة يمثل بؤرة نشطة للمخاطر الجيولوجية..فنحن لا نتحدث عن مخاوف أو تكهنات نظرية بل نرصد واقعاً ملموساً يتمثل في تسرب مائي ضخم يقدر بالمليارات وهبوط تفاضلي مستمر في جسم السد ونشاط زلزالي متزايد ناتج عن الإجهاد المائي”…بهذه العبارات التي تلخص حجم ” كارثة” كبري لم ينتبه لها احد من قبل تم اثباتها وفق دراسة مهمة اجريت من قبل فريق بحثي ضم العديد من الجنسيات وشغل الرأي العام خلال الايام القليلة الماضية تحدث الدكتور هشام العسكري استاذ نظم علوم الأرض والاستشعار عن بعد بجامعة تشابمان في كاليفورنيا ورئيس الفريق البحثي الذي قام بالدراسة في أول حوار صحفي له مع ” العالم اليوم” ، مؤكدا ان الدراسة التي قام بها هو وفريقه قد أثبتت بشكل قاطع تسرب حوالي 41 مليار متر مكعب من المياه من خزان السد إلى أنظمة المياه الجوفية خلال فترات الملء بين عامي 2020 و 2024 !!!.
واضاف ان محاكاتهم لانهيار السد اثبتت أنه سيؤدي إلى موجات فيضان كارثية تهدد ملايين السكان في السودان ومصر، مع وصول أعماق المياه إلى 34.7 متر وسرعات تدفق تبلغ 6.5 متر/ثانية مما يعكس ضرورة وجود استراتيجيات منسقة لتخفيف المخاطر وسياسات لإدارة المياه لحماية الأرواح والبنية التحتية الحيوية على طول نهر النيل.
وقال ان دراستهم تعتبر أول تحقق كمي وفعلي للتحذيرات التي أطلقتها لجنة الخبراء الدولية في عام 2013 بشأن نفاذية الأساسات المكسرة لسد “السرج ” ومخاطر الهبوط التفاضلي ، لافتا الي ان نتائج دراستهم حول التسرب “الذي قدر بحوالي 41 مليار متر مكعب” والهبوط التفاضلي “الذي وصل إلى 40 ملم” تحول هذه المخاوف من مجرد تحذيرات نظرية إلى ظواهر واقعية مرصودة لذلك يجب مراجعة توصيات السلامة الأصلية التي اقترحتها اللجنة الدولية بشكل عاجل وملزم.
وشدد ” العسكري ” علي ان الفشل في التعامل مع هذه المخاطر يضرب مساعي التنمية في المنطقة بأسرها ويهدد بشكل مباشر أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs)، وتحديداً الهدف التاسع المتعلق بالهياكل الأساسية،والهدف الحادي عشر المتعلق بالمدن المستدامة نظراً لتعريض حياة الملايين لخطر الفيضانات، والهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي.
واوضح انه من خلال النتائج والسيناريوهات التي تمت نمذجتها في دراستهم فان هناك فاتورة اقتصادية باهظة متوقع تحملها نتيجة النتائج التي تم الوصول إليها أهمها أولاً: الخسائر المائية المباشرة حيث أن ذلك يمثل
هدر مورد حيوي في وقت يمثل به نهر النيل شريان الحياة لدول المصب (مصر والسودان) التي تقع في مناطق شديدة الجفاف ، لافتا الي ان هذه المياه المتسربة والمفقودة تمثل عصب الاحتياجات المنزلية، والزراعية والصناعية في تلك الدول وفقدانها يترجم فوراً إلى خسائر اقتصادية في الأمن الغذائي والإنتاج.
واردف : ان الامر الثاني في تلك التداعيات الاقتصادية يتمثل في فاتورة الكارثة المحتملة (خسائر انهيار البنية التحتية والأرواح)، و تأثير الدومينو على السدود الأخرى حيث أظهرت محاكاة انهيار سد السرج أن موجة الفيضان ستصل إلى سد الروصيرص في السودان خلال 5 ساعات فقط، مما قد يؤدي إلى تدميره وإضافة سعة تخزينه (7.4 مليار متر مكعب) إلى الكارثة الأصلية، كما ستتأثر السدود الرئيسية الأخرى على مجرى النيل!!.
واستطرد : ان موجات الفيضان الكارثية ستصل إلى العاصمة السودانية الخرطوم (التي يقطنها حوالي 7 ملايين نسمة) خلال 3 أيام ، علاوة علي الخسائر البشرية والمادية غير المسبوقة حيث النماذج الهيدروديناميكية إلى أن أعماق المياه قد تصل إلى 34.7 متر في المجرى الرئيسي، مع موجات بارتفاع 0.8 متر تغمر المباني، وسرعات تدفق تصل إلى 6.5 متر/ثانية، مما سيؤدي إلى دمار واسع النطاق يهدد حياة الملايين من السكان في السودان ومصر!!
وبسؤاله عن اسباب عدم تنبه اي دراسات سابقة لمخاطر سد السرج في وقت اعتبرت به دراسته انه المحرك لنحو 89% من الكارثة ، اجاب ” العسكري ” انه يجب أولاً تصحيح مفهوم علمي بأن سد السرج ليس مجرد حاجز ثانوي بسيط بل هو السد الذي يحتجز فعلياً حوالي 89% من السعة التخزينية الحية (Live storage) للخزان الرئيسي بأكمله وهذا يعني أن الغالبية العظمى من كتلة المياه الهائلة تستند على هذا السد الركامي الممتد بطول 5 كيلومترات، مما يجعله أحد أكبر وأهم السدود المساعدة في العالم.
واردف : انه فيما يخص سبب عدم التفات الدراسات السابقة لهذه الخطورة بالشكل الكافي فان ذلك يرجع لعدة أسباب منهجية وعلمية رصدتها الدراسة أهمها التركيز على قضايا مختلفة حيث ان معظم الأبحاث السابقة المتعلقة بعمليات ملء سد النهضة ركزت بشكل أساسي على الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية أو انصبت جهودها على النمذجة الهيدرولوجية لتوقع سلوك النهر، وإدارة متجمعات المياه وتوليد الطاقة الكهرومائية، علاوة علي ان الدراسات السابقة افتقرت إلى إطار متكامل ومتعدد التخصصات يدمج بين تكنولوجيا مراقبة الأرض بالأقمار الصناعية (مثل GRACE و Sentinel-1) لتقييم المخاطر المتعددة بشكل متزامن و هذا الغياب ترك شكوكاً كبيرة في تقييم استقرار سد السرج ومخاطر الزلازل والفيضانات وهو ما عالجناه بشكل مباشر في دراستنا.
واضاف انه من الملاحظ ايضا في بروتوكولات سلامة السدود العالمية أن السدود المساعدة (Auxiliary dams) غالباً ما تحظى باهتمام تنظيمي وبحثي أقل مقارنة بالسدود الخرسانية الرئيسية، على الرغم من أنها قد تحتجز كميات هائلة من المياه.
وبسؤاله عن المدي الزمني الذي استغرقته تلك الدراسة وما اعتمدت عليه للوصول لتلك النتائج المهمة ، أوضح ” العسكري” ان العمل الفعلي على هذه الدراسة وإعدادها استغرق ما يقرب من عام من الجهد المكثف ولكن الأهم من ذلك هو أن المدى الزمني للبيانات التي قاموا بتحليلها يغطي فترات طويلة جداً لضمان دقة وموثوقية النتائج حيث شملت الدراسة بيانات هطول الأمطار (Rainfall) والتي تم تحليلها منذ عام 1940 وحتى عام 2024 وبيانات النشاط الزلزالي (Seismicity) والتي تمتد من عام 1961 وحتى أوائل عام 2025 و بيانات مخزون المياه الجوفية (GRACE) والتي تغطي الفترة من عام 2002 إلى عام 2024 و بيانات تصريف النهر (محطة الديم) والتي قام الفريق البحثي بتحليلها من عام 2013 إلى عام 2024 ، و بيانات رصد الهبوط التفاضلي للسد (Sentinel-1) والتي شملت الفترة من يناير 2022 إلى ديسمبر 2024 ، مشددا علي انهم لا يتحدثون فقط عن عام من العمل بل عن تحليل بيانات تاريخية وحديثة تمتد لعقود لمراقبة وتحليل التغيرات الجيولوجية والهيدرولوجية الدقيقة قبل وبعد بدء مراحل ملء خزان سد النهضة في عام 2020.
وبسؤاله عن الاسباب التي دفعت الفريق البحثي للقيام بتلك الدراسة وجنسيات المشاركين بها ، أكد ” العسكري” ان قيامهم باجراء هذا البحث جاء من دوافع علمية وبيئية بحتة فرضتها المعطيات الجيولوجية والهندسية للمشروع وأهمها:الأهمية الاستراتيجية والخطورة الهندسية لسد السرج حيث أن هذا السد المساعد يحتجز وحده حوالي 89% من السعة التخزينية الحية لخزان سد النهضة مما يجعله أحد أكبر السدود الركامية من نوعه في العالم، وأي خلل فيه يمثل كارثة محققة.
واردف : ان اللجنة الدولية للخبراء (IPoE) كانت قد حذرت منذ عام 2013 من وجود فوالق ومناطق ضعف جيولوجي في أساسات سد السرج، ومخاطر حدوث تسرب وهبوط تفاضلي ولذلك كان دافعهم هو تحويل هذه التحذيرات النظرية إلى قياسات كمية دقيقة باستخدام أحدث التقنيات ، علاوة علي ملاحظة غياب برامج المراقبة الدولية الشاملة التي تدمج بين تكنولوجيا الفضاء (الاستشعار عن بعد) والنمذجة الهيدرولوجية والتحليل الإحصائي للزلازل في إطار واحد لتقييم هذه المخاطر. أردنا تقديم نموذج علمي يمكن تطبيقه عالمياً لسلامة السدود.
وفيما يتعلق بالفريق البحثي وتنوعه ، أوضح ” العسكري ” انه لضمان حيادية النتائج فان البحث لم يخرج من جهة محلية واحدة بل هو ثمرة تعاون أكاديمي دولي يضم باحثين وعلماء ينتمون لأعرق المؤسسات الأكاديمية العالمية مما يضمن خضوع العمل لمعايير علمية صارمة بعيدة عن أي ” تسيس” حيث يقود البحث علماء من الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً من جامعة تشابمان (Chapman University) وجامعة ييل (Yale University) ، وهي مؤسسات لا تقبل المساومة على رصانتها العلمية ، علاوة علي ان الفريق يضم خبرات أكاديمية من المجر، متمثلة في جامعة سيجد (University of Szeged) .
و استطرد : انه لضمان أقصى درجات الحيادية والشفافية العلمية وتجنب أي شبهة للتحيز تشكل الفريق البحثي من 8 علماء وباحثين يمثلون مزيجاً دولياً متنوعاً من 6 جنسيات مختلفة حيث ضم الفريق باحثَين من الولايات المتحدة الأمريكية و مصر والصين، وباحث من الهند، وباحث من نيبال، وباحث من بلغاريا، وهو ما يمثل ضمانة قاطعة بأن النتائج التي تم التوصل اليها هي نتاج عمل أكاديمي دولي بحت يعتمد حصرياً على لغة الأرقام والقياسات والأقمار الصناعية، بعيداً تماماً عن أي توجهات أو أهداف سياسية.
واضاف ان البحث نشر في مجلة (International Journal of Disaster Risk Reduction) التابعة لمؤسسة إلسيفير (Elsevier) العالمية ، وهذا يعني أن الورقة خضعت لمراجعة أقران (Peer-review) صارمة ومستقلة من قبل خبراء دوليين تحققوا من دقة كل رقم وكل استنتاج قبل الموافقة على النشر ، مشيرا الي ان الأرقام التي توصلوا إليها سواء حجم التسرب أو معدلات الهبوط والزلازل هي قراءات لأقمار صناعية ونماذج رياضية لا تقبل التحيز.
وبسؤاله عن الخطوات التي يري ضرورة اتخاذها من الجانب المصري والسوداني لوقف تلك الكارثة التي اثبتتها نتائج دراسته، قال ” العسكري ” انه بصفته فريق بحثي علمي فإن دورهم الأساسي هو دق ناقوس الخطر وتوفير الأدلة الرصدية والكمية الدقيقة وترك اتخاذ القرارات السياسية للجهات المعنية ، مشددا علي ان دراستهم لا تتدخل في القرار السياسي بوقف تشغيل السد من عدمه ولكنها تضع المجتمع الدولي ودول المصب (مصر والسودان) أمام حقائق علمية لا تقبل الجدل وتوصي بخطوات عاجلة للتعامل مع هذه المخاطر الكارثية الموثقة .
وتابع : أنه بناء علي ما خلصت إليه نتائج دراستهم يري أن الخطوات الضرورية التي يجب اتخاذها تتمثل في ضرورة تفعيل آليات المراقبة الدولية المشتركة حيث أن هناك حاجة ماسة وملحة لإنشاء أطر دولية لمراقبة المخاطر الطبيعة العابرة للحدود لحوض النيل تفرض ضرورة وجود أنظمة إنذار مبكر ومشاركة للبيانات وأطر مراقبة مشتركة بين الدول المشاطرة للنهر ، والمطالبة بتحقيقات جيوتقنية فورية في ظل رصد الدراسة لتسرب مياه وظهور مسارات تسرب وهبوط تفاضلي حيث يجب المطالبة دولياً بإجراء فحوصات جيوتقنية ومراقبة هيدروليكية ميدانية عاجلة ويجب أن يشمل ذلك استخدام أجهزة قياس ضغط المياه وقياسات تدفق التسرب والتصوير تحت السطحي لتقييم مدى ومصدر مسارات التسرب أسفل سد السرج.
واضاف ان ما يقترحوه هو الانتقال من المراقبة التقليدية إلى أطر مراقبة فورية ومتعددة المخاطر وإخضاع السد لرقابة هندسية دولية شفافة تضمن سلامة الملايين في دول المصب.
واكد ” العسكري ” ان البحث يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية ويقدم إطاراً علمياً قابلاً للتطبيق للتدخل وتفادي كارثة محققة قبل فوات الأوان.







