حين يصبح الاقتصاد ساحةً لحروب الوكالة
في يوم 1 مارس، 2026 | بتوقيت 2:50 م

كتب: العالم اليوم
لم تعد الحروب في منطقتنا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل تُدار كذلك عبر شبكات ولاء عابرة للحدود، وأنظمة اختارت أن تربط مصيرها بمشروعات أيديولوجية تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية. ومع كل تصعيد عسكري جديد، يتكشف الوجه الاقتصادي الباهظ لحروب الوكالة، حيث لا تكون الجغرافيا وحدها هي المستهدفة، بل الاستقرار المالي، وتدفقات الاستثمار، وثقة الأسواق.
ومن المهم التأكيد أن هذا الطرح لا ينصرف إلى الدول التي تتعرض للاعتداء أو تدافع عن أمنها القومي، بل إلى النماذج السياسية التي جعلت من التبعية العقائدية بديلاً عن السيادة، ومن الاصطفاف المسلح بديلاً عن التنمية. فهناك فارق جوهري بين دولة تدفع ثمن تموضعها الدفاعي، ودولة أخرى تدفع شعوبها ثمن مشروع توسعي لا ينعكس عليها استقرارًا ولا رخاءً.
إن اقتصاديات التبعية السياسية في زمن الحرب بالوكالة لا تُقاس فقط بحجم الدمار المادي، بل بسنوات الفرص الضائعة، وهروب رؤوس الأموال، وتآكل العملات الوطنية، وتحويل الموارد من التعليم والصناعة إلى تمويل الصراعات. وفي هذه المعادلة تكون الخسارة مزدوجة: خسارة في السيادة، وخسارة في التنمية.
ومع كل موجة تصعيد إقليمي، يتكشف الفارق بين نموذجين اقتصاديين في المنطقة: نموذج الدولة الوطنية البراغماتية التي تجعل من الاستقرار ركيزة لجذب الاستثمار، وتتعامل مع التحالفات بمنطق المصالح المتبادلة لا بمنطق الاصطفاف العقائدي؛ ونموذج الدولة التي تُسخّر اقتصادها لخدمة مشروع سياسي عابر للحدود. الأولى تبني احتياطيات نقدية، وتنوّع مصادر دخلها، وتستثمر في البنية التحتية وسلاسل القيمة والصناعة المتقدمة، فتتحول الأزمات لديها إلى اختبارات لقدرتها على الصمود. أما الثانية فتستهلك مواردها في تمويل النفوذ، وتربط عملتها وأسواقها بحالة اشتباك دائم، فيتحول الاقتصاد إلى رهينة، ويصبح الاستقرار استثناءً لا قاعدة.
وتكلفة الحرب لا تُقاس فقط بما يسقط من صواريخ، بل بما يتبخر من ثقة، وما يُؤجل من استثمارات، وما يُهدر من فرص تاريخية كان يمكن أن تعيد تموضع تلك الدول في خريطة الاقتصاد الإقليمي والدولي. فالتبعية السياسية لا تُنتج نفوذًا مستدامًا، بل هشاشة اقتصادية مزمنة، تجعل الدولة عرضة للابتزاز الخارجي، وتُفقدها القدرة على صياغة قرارها الوطني بحرية واستقلال.
إن اللحظة الراهنة تفرض إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته. فالقوة لم تعد تُقاس بامتداد النفوذ أو بعدد الساحات المشتعلة، بل بصلابة الاقتصاد الوطني، ومرونة مؤسساته، واستقلال قراره المالي. ومن يختار أن يجعل اقتصاده ذراعًا في مشروع أيديولوجي عابر للحدود، إنما يغامر بأمنه الاجتماعي قبل أمنه السياسي.
فالسيادة الاقتصادية ليست شعارًا يُرفع في الخطب، بل انضباط في إدارة الموارد، وجرأة في تصحيح المسار، وقدرة على الفصل بين ما يخدم مصالح الشعوب وما يخدم طموحات عابرة. والدول التي تستوعب هذا الدرس مبكرًا، هي وحدها القادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، والتقلبات إلى لحظة إعادة تموضع استراتيجية
وفي عالم يُعاد تشكيله أمام أعيننا، لن يكون الرابح هو الأكثر صخبًا، بل الأكثر توازنًا؛ ولن تبقى إلا الدول التي اختارت أن تكون شريكًا كامل السيادة في معادلات الإقليم، لا تابعًا في هوامشها.
وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، يبقى حفظ أمن الشعوب العربية واستقرار دولها أولوية إنسانية تتقدم على كل رهانات الصراع .







