رانيا حمود المدير التنفيذي لمؤسسة ” بريك ثرو” للابحاث واستشاري التطوير المؤسسي ل ” العالم اليوم “: إعادة هيكلة الهيئات والإصلاح المؤسسي ..اولي الملفات العاجلة المطلوبة من الحكومة الجديدة
في يوم 17 فبراير، 2026 | بتوقيت 6:41 ص

كتب: مني البديوي
” إعادة الهيكلة ليست خياراً سياسياً يحتمل التأجيل بل ضرورة اقتصادية حتمية لا تقبل المساومة والشواهد الدولية متعددة ومتسقة.. وتكشف جميعها عن خيط مشترك ان الدول التي جمعت بين الشجاعة السياسية والدقة التشخيصية حققت وفراً فورياً ونمواً مضاعفاً ” …بتلك العبارات التي حملت رؤي مهمة نحو خطوة باتت حتمية وهي تلك التي تتعلق باعادة هيكلة الهيئات الحكومية المتواجدة تمهيدا لتطبيق اقتصاد رقمي حقيقي كأحد أهم الملفات العاجلة و المطلوبة من الحكومة الجديدة تحدثت رانيا حمود المدير التنفيذي لمؤسسة ” بريك ثرو” للابحاث والتنمية واستشاري السياسات والتطوير المؤسسي والتحول الرقمي والباحثة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في حوارها مع ” العالم اليوم” ،
لافتة الي ان دولة مثل كوريا الجنوبية حين أطلقت تحولها الرقمي الكبير لم تكتفِ برقمنة الخدمات القائمة بل راجعت جذرياً أي الهيئات تستحق البقاء وأيها استنفدت غرضها في ظل التحول التكنولوجي وان هذه المراجعة الجذرية هي التي أعطت التحول الرقمي الكوري أثراً اقتصادياً حقيقياً لا مجرد تجميل رقمي على واجهة بيروقراطية عتيقة.
واضافت ان رواندا جذبت 2 مليار دولار بعد إصلاحها المؤسسي وإستونيا أصبحت مركزاً للتكنولوجيا المالية الأوروبية ليس لأنهما الأكبر أو الأغنى بل لأنهما الأكثر شفافية وقابلية للتنبؤ .
واردفت “حمود ” في حديثها عن التجارب الدولية ، وقالت ان دولة مثل أيرلندا أجرت بين عامَي 2010 و2012 عملية دمج وإلغاء مؤسسي واسعة النطاق في خضم أزمة اقتصادية حادة وكان الجوهر فيها أنها لم تكتفِ بتقليص العدد بل أعادت تعريف الوظائف وأعادت توزيع الأدوار وفق منطق اقتصادي لا منطق إداري بيروقراطي.
واستطردت : ان سنغافورة تقدم النموذج الأكثر إثارةً للإعجاب إذ لا تجري إصلاحات دورية فحسب بل تراجع هيكلها المؤسسي بشكل دوري “قسري” فتدمج أو تلغي أو تعيد اختراع هيئاتها كلما تغيرت البيئة الاقتصادية و هذا النهج الاستباقي المستمر هو ما يفسر قدرة سنغافورة على البقاء دائماً على الحافة الأمامية للتنافسية الدولية بأجهزة حكومية في منتهى الرشاقة والكفاءة.
واضافت ان الإصلاح المؤسسي أصبح حتميا في ظل تجمع عوامل عديدة اهمها ضغط وثيقة سياسة ملكية الدولة نحو التخارج القطاعي وضغط الذكاء الاصطناعي نحو إعادة تعريف وظيفة الهيئة الحكومية، وضغط محدودية الموارد نحو الكفاءة وترشيد الإنفاق، مشددة علي ان التقاء هذه التيارات خلق نافذة وفرصة تاريخية لإصلاح مؤسسي حقيقي لم تتوفر شروطه في حقبة سابقة بهذا الزخم المتكامل.
وشددت علي ان الاقتصاد الرقمي هو الرهان الحقيقي لمصر وانه لا يمكن فهم ضرورة إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية والحكومية بمعزلٍ عن المشهد الأشمل وخاصة وان العالم يشهد تحولاً جذرياً من اقتصاد الموارد المادية إلى اقتصاد البيانات والمعرفة والخوارزميات ، مؤكدة أن الدولة التي تفشل في هذا التحول لا تتأخر فحسب بل تفقد ثقلها التنافسي الدولي بشكل شبه دائم لا عودة منه.
واكدت ان الاقتصاد الرقمي لا يحتاج دولة أكبراو أعمق او اقدم بل يحتاج دولة أذكى والدولة الأذكى تعرف متى تُلغي، ومتى تدمج.. ومتى تُعيد اختراع نفسها” ، مشددة علي ان الاقتصاد الرقمي يحتاج دولةً ذات هياكل أسرع وأخف وأكثر تشبيكاً ومرونة في حين أن منظومة بعض الهيئات الاقتصادية الراهنة تعكس فلسفة غير مرنة تنتمي إلى حقبة راسخة بعمق في القرن الماضي لإدارة اقتصاد موارد ومصانع وبنية تحتية مادية فقط أما في اقتصاد القرن الحادي والعشرين فإن الشركة الناشئة التي تبني منصةً رقمية تحتاج سرعةً في الترخيص ووضوحاً في التنظيم وتخفيفاً في البيروقراطية، لا هيئةً إضافية تزيد من طبقات الموافقة وتعمِّق الفجوة بين القرار والتنفيذ.
واستطردت : ان كل جنيه يُنفَق على هياكل بيروقراطية وهيئات متداخلة الاختصاصات هو جنيه لم يُضخ في شركات ناشئة واعدة، ولم يبني به البنية التحتية اللازمة، ولا إلى إعادة تأهيل القوى العاملة لمتطلبات سوق العمل المستقبلي او تدريب العمالة على حافة التهميش الرقمي.
واكدت ” حمود” ان مصر اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة مع ما تملكه من جمهور واسع من الشباب التقني الطامح، وسوق محلي ضخم يُوفِّر عمقاً استراتيجياً، وقيادة سياسية أبدت استعداداً حقيقياً لاتخاذ قرارات صعبة ، مشددة علي ان الجمع بين هذه المقومات الثلاثة هو ما جعل التحولات الكبرى في إيرلندا وسنغافورة وكوريا ممكنة وهو بعينه ما يجعل التحول المصري ممكناً اليوم.
وشددت علي ان النافذة الزمنية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد و التحولات التكنولوجية الكبرى تُعيد رسم خرائط التنافسية الدولية بسرعة متصاعدة.
واوضحت انه انطلاقاً من دراسة المعايير الدولية المقارنة يمكن تشخيص أي هيئة اقتصادية عبر 3 محاور يُشكّل توافرها معاً حجة لا تُرَد على التحول الجذري أو الدمج
اولها : هيئات تعمل في قطاعات مقررة للتخارج حيث انه حين تقرر الدولة الانسحاب من قطاع ما فإن إبقاء هيئة تشرف عليه يُولّد تناقضاً مؤسسياً صريحاً و التجربة البريطانية أثبتت أن التخارج المصحوب بتحول مؤسسي أنتج انخفاضاً 40% في الإنفاق وارتفاعاً 67% في استثمار القطاع الخاص وقد حددت وثيقة ملكية الدولة 2022 قطاعات بنسب تخارج تتراوح بين 73% و100%.
واردفت ان المحور الثاني يتمثل في هيئات متداخلة الاختصاصات بلا قيمة مضافة ففي مصر اليوم على سبيل المثال 3 جهات تُنظّم الاستثمار الصناعي و3 جهات تُشرف على الصادرات وجهتان تتنافسان في الترويج السياحي وتكلفة هذا الفاقد الإداري يتراوح بين 15 الي 25% من الميزانيات التشغيلية ، لافتة الي دولة أيرلندا وكيف انها دمجت 14 وكالة في كيانين وفّرت 180 مليون يورو سنوياً ورفعت رضا المستثمرين من 42% إلى 78% وان التكلفة المطلقة ليست هي المعيار بل نسبة التكلفة إلى القيمة المضافة التي لا تستطيع جهة أخرى تقديمها.
واضافت ان المحور الثالث يتمثل في هيئات مهامها قابلة للأتمتة الكاملة بالذكاء الاصطناعي و هذا هو الأشد دراما في عصرنا الراهن حيث أن هيئة بنيت كافة عملياتها الخدمية على المهام الإدارية الروتينية والتي تأخذ كثيرا من الوقت او تفسح مجال للفساد المالي او الإداري ويتسبب في عدم رضا المواطنين تجد نفسها أمام نظم ذكاء اصطناعي تُنجز في ساعات ما استغرقته فرق بشرية في أشهر حيث ان نسبة الأتمتة في جمع البيانات الإحصائية 95%، وفحص الوثائق الروتينية 85%، ورصد الامتثال 80 % ، مشيرة الي ان الدرس البرازيلي يُحذّر من الرقمنة بلا إصلاح هيكلي والذي نتج عنه لديها ازدواجية بلغت تكلفتها 900 مليون دولار هدراً خلال 4 سنوات!!.
وشددت استشاري التطوير المؤسسي علي ان تطبيق مصفوفة القرار على كل هيئة يتطلب قدرا عاليا من الشفافية والحوكمة المستمرة من خلال تشكيل لجنة تقييم مستقلة عن الهيئات المًقيمة تضم خبراء اقتصاد وتقنية وحوكمة لتشخيص وتصنيف الهيئات الى فئات: فئة “أ ” ذات أولوية قصوى (تنطبق على هيئات يتزامن فيها المعايير الثلاثة مجتمعة التخارج والتداخل و الأتمتة ، وفئة “ب” ذات أولوية متوسطة (هيئات بمعيارين مرتفعين)، وفئة “ج ” ذات أولوية أدني (هيئات بها معيار واحد).
واكدت ” حمود” ان مصر تمتلك المقومات الأساسية للتحول الكامل الى الاقتصاد الرقمي ولكنها تفتقر إلى المنظومة المؤسسية المرنة والسريعة التي تُحوّل هذه المقومات إلى ثروة رقمية حقيقية وان إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية ليست هدفاً في حد ذاته بل الشرط الأول لبناء هذه المنظومة.
واوضحت ” حمود ” انه وبحسب تقرير McKinsey Global Institute (2023)، ستُشكّل الاقتصادات الرقمية نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول 2030 بمعدلات نمو تفوق الاقتصاد التقليدي بأربعة أضعاف ، لافتة الي ان الاقتصاد الرقمي ليس مجرد رقمنة للخدمات الحكومية أو تجارة إلكترونية تجري على الإنترنت بل هو أعمق من ذلك بكثير إنه يمتد عبر ثلاثة أبعاد متداخلة ومتشابكة يُحددها إطار OECD (2022): البنية التحتية الرقمية من شبكات وحوسبة سحابية وبيانات ضخمة، ثم الأنشطة الاقتصادية المولَّدة رقمياً من برمجيات وخدمات مالية ذكية وأسواق منصاتية، وأخيراً التحول الرقمي لقطاعات الاقتصاد التقليدي كالصناعة والزراعة والصحة.
واكدت ان مصر تمتلك ما لا تمتلكه رواندا ولا إستونيا معاً من حيث تواجد سوق متنامٍ بأكثر من 100 مليون نسمة وبنية رقمية أفريقية متقدمة ، مشيرة الي ان المشكلة لم تكن يوماً في الموارد بل في القرار السياسي الشجاع للإصلاح الاقتصادى.
وقالت ان ثمة مفارقة صارخة ينبغي استيعابها قبل الشروع في أي نقاش تفصيلي ، متسائلة: ما الذي يجعل دولة ما قادرة على بناء اقتصاد رقمي ناجح بينما تفشل دولة أخرى تمتلك الموارد ذاتها؟ وتجيب انه وفق ما توصّل إليه برنامج أبحاث Digital Economy and Society Index الصادر عن المفوضية الأوروبية (2023) وتقارير مؤشر الاقتصاد الرقمي للـ IMD World Competitiveness Center – ليس في التقنية نفسها بل في المنظومة المؤسسية التي تُحيط بالاقتصاد.







