د. احمد صقر : جيل Z وإعادة هندسة العقار: كيف يعيد ترميز العقارات تعريف الملكية والاستثمار؟
في يوم 12 فبراير، 2026 | بتوقيت 12:46 ص

كتبت: شيرين محمد
عندما يلتقي جيل Z بالبلوكتشين: هل يعيد ترميز العقارات تشكيل السوق العقاري؟
اكد د. احمد صقر الخبير الافتصادى ان العقار لم يعد في صورته التقليدية، قادرًا وحده على استيعاب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العميقة التي يشهدها العالم اليوم. فالسوق العقاري، رغم كونه أحد أكثر القطاعات استقرارًا تاريخيًا، يعاني من اختلالات هيكلية واضحة، في مقدمتها صعوبة الوصول، وارتفاع تكاليف الدخول، واعتماده شبه الكامل على أنماط ملكية جامدة لا تتناسب مع إيقاع العصر ولا مع تطلعات الأجيال الجديدة.
واضاف انه لسنوات طويلة، ظل الاستثمار العقاري حكرًا على فئات تمتلك رأس مال كبيرًا أو قدرة على تحمّل مقدمات حجز مرتفعة، في ظل منظومة تمويل عقاري معقدة لا تزال تمثل عائقًا حقيقيًا أمام شريحة واسعة من الراغبين في الاستثمار أو التملك. هذه الفجوة بين قيمة الأصل العقاري وقدرة الأفراد على الوصول إليه لم تكن مجرد مشكلة تمويلية، بل أزمة في فلسفة الملكية ذاتها.
من هنا، يبرز مفهوم ترميز العقارات (Real Estate Tokenization) كأحد أهم التحولات الجذرية في المشهد العقاري العالمي. ففكرة تحويل قيمة الأصل العقاري إلى وحدات رقمية أو حصص ملكية مُجزأة، يتم تداولها عبر تقنيات البلوكتشين، لا تعني فقط تبسيط عملية الاستثمار، بل تعيد تعريف معنى التملك نفسه. لم يعد المستثمر مطالبًا بشراء أصل كامل في موقع واحد وبقيمة ضخمة، بل أصبح بإمكانه امتلاك جزء من أصل عقاري بقيمة صغيرة، وبدرجة سيولة ومرونة لم تكن متاحة من قبل.
اقتصاديًا، تمثل هذه المنهجية نقلة نوعية في إدارة الأصول العقارية، حيث تسمح بتوسيع قاعدة المستثمرين، وزيادة السيولة، وتحسين كفاءة التسعير، وتقليل المخاطر من خلال تنويع المحافظ الاستثمارية. أما فلسفيًا، فنحن أمام انتقال واضح من مفهوم “الامتلاك الكامل” إلى مفهوم “الوصول الذكي للقيمة”، وهو تحول يعكس تغيرًا أعمق في نظرة الأفراد للأصول والاستثمار.
وهنا تحديدًا يأتي دور الملكية التشاركية كجسر منطقي بين العالمين: العقار كأصل تقليدي، والتكنولوجيا كأداة لإعادة هندسته. فالملكية التشاركية لا تُلغي العقار، لكنها تفككه إلى فرص، وتحوّل الاستثمار من قرار مصيري طويل الأجل إلى تجربة مرنة قابلة للتعديل والتداول.
هذا التحول يتلاقى بشكل طبيعي مع جيل Z، الجيل الذي نشأ في عالم رقمي، ويؤمن بالتجربة، والتنوع، والمرونة، ويرفض فكرة ربط كل مدخراته بأصل واحد ثابت في مكان واحد. هذا الجيل لا يرى في العقار مجرد “وحدة سكنية”، بل أصلًا ماليًا يمكن الدخول إليه والخروج منه بسهولة، ويمكن أن يكون جزءًا من محفظة استثمارية متنوعة، تمامًا مثل الأسهم أو الأصول الرقمية.
في المقابل، لا يعني ذلك إقصاء الأجيال الأكبر سنًا، التي لا تزال تميل إلى الحيازة التقليدية والملكية الكاملة، بل نحن أمام سوق متعدد الطبقات، تتعايش فيه النماذج القديمة مع الجديدة، ويصبح الخيار هو الأساس، لا الفرض.
أما عن مصر، فإن السوق العقاري المصري يمتلك كل المقومات التي تؤهله للاستفادة من هذا التحول العالمي: حجم سوق ضخم، طلب حقيقي، قاعدة شبابية واسعة، وتوجه متزايد نحو التحول الرقمي. لكن النجاح هنا لن يكون تلقائيًا، بل يتطلب رؤية تشريعية مرنة، وبنية تنظيمية تستوعب نماذج الملكية الجديدة، ومنصات تكنولوجية قادرة على بناء الثقة والشفافية.
إن مستقبل العقار في مصر – كما في العالم – لن يُبنى فقط بالخرسانة، بل بالأفكار، وبإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والأصل، بين التملك والاستخدام، وبين الاستثمار والقيمة. وترميز العقارات والملكية التشاركية ليسا موضة عابرة، بل تعبير عن مرحلة جديدة يُعاد فيها هندسة السوق العقاري ليتماشى مع عالم أكثر سرعة، وأكثر تنوعًا، وأكثر شمولًا.







