لؤي غزال : هندسة الأثر الاقتصادي لشركات التطوير العقارى من منطق البناء إلى فلسفة إنتاج القيمة

في يوم 23 يناير، 2026 | بتوقيت 7:08 م

كتبت: شيرين محمد

اكد لؤى غزال الخبير العقارى ان دور شركات التطوير العقاري لم يعد في السياق الاقتصادي المعاصر مقتصرًا على تشييد المباني أو طرح الوحدات وقياس النجاح بعدد الأمتار المباعة، بل بات هذا الدور أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع بنية الاقتصاد الكلي، بما يجعل التطوير العقاري أحد أهم الأدوات غير المباشرة لإعادة تشكيل حركة رأس المال، وتوجيه السيولة، وصياغة أنماط جديدة من الإنتاج والاستهلاك داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق، يبرز مفهوم هندسة الأثر الاقتصادي لشركات التطوير العقاري باعتباره مدخلًا تحليليًا ضروريًا لفهم التحولات الجارية في السوق العقاري المصري، وما يترتب عليها من انعكاسات تتجاوز حدود القطاع نفسه لتطال الاقتصاد الوطني بأكمله.

فالعقار، في جوهره الاقتصادي، ليس أصلًا جامدًا يُختزل في قيمته الرأسمالية أو سعر تداوله، بل هو قرار طويل الأجل يتضمن افتراضات ضمنية حول المستقبل، تتعلق بالنمو السكاني، وسوق العمل، وتوزيع الأنشطة الاقتصادية، وقدرة المجتمع على توليد الطلب الحقيقي. وعندما تُدار مشروعات التطوير العقاري بمنطق البيع السريع أو التحوط المالي فقط، فإنها تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة، وتتحول تدريجيًا إلى مخازن للثروة بدلًا من كونها محركات للنشاط الاقتصادي. أما حين يُنظر إلى المشروع العقاري بوصفه منظومة تشغيلية متكاملة، فإن أثره يمتد ليشمل خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط سلاسل الإمداد، وتعزيز الطلب على الخدمات، وهو ما ينعكس إيجابًا على الناتج المحلي الإجمالي واستدامة النمو.

وفي الحالة المصرية، تتضاعف أهمية هذا النقاش في ظل توسع عمراني واسع النطاق واستثمارات ضخمة تُضخ في المدن الجديدة والمجتمعات العمرانية الحديثة، حيث لم يعد السؤال المطروح هو حجم ما يُبنى، بل نوعية ما يُبنى، ومدى قدرته على الاندماج في الاقتصاد الحقيقي. فالتجربة العملية أثبتت أن المشروعات التي تفتقر إلى رؤية واضحة للأثر الاقتصادي غالبًا ما تواجه تحديات تتعلق بانخفاض معدلات الإشغال، وضعف النشاط التجاري، وتراجع القدرة على توليد عوائد تشغيلية، وهو ما يفرض ضغوطًا مستقبلية على السوق ككل. وعلى العكس من ذلك، فإن المشروعات التي صُممت منذ البداية على أساس تنوع الاستخدامات وربط السكن بالعمل والخدمات، أظهرت قدرة أكبر على الصمود وخلق دورة اقتصادية مستمرة تتجاوز حدود المشروع ذاته.

وتتجلى هندسة الأثر الاقتصادي بوضوح في الطريقة التي تُدار بها السيولة داخل السوق العقاري، إذ تمثل شركات التطوير العقاري نقطة التقاء رئيسية لمدخرات الأفراد والمؤسسات، خاصة في فترات عدم اليقين الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم. وهنا يصبح دور المطور حاسمًا في توجيه هذه السيولة، إما نحو أصول مغلقة لا تضيف سوى ارتفاعات سعرية مؤقتة، أو نحو مشروعات منتجة تخلق قيمة تشغيلية حقيقية وتُسهم في تحفيز الاقتصاد. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الاستثمار العقاري المرتبط بأنشطة تشغيلية واضحة يمكن أن يحقق مضاعفًا اقتصاديًا يتجاوز ضعفي قيمة الاستثمار المباشر، مقارنة بمضاعفات أقل بكثير في المشروعات التي تعتمد فقط على البيع وإعادة البيع.

ولا ينفصل هذا التوجه عن التحول العالمي في فلسفة التطوير العقاري، حيث أصبح التركيز متزايدًا على مفهوم الاستخدام الفعلي بدلًا من التملك المجرد، وعلى قياس نجاح المشروع بمدى اندماجه في النسيج العمراني والاقتصادي المحيط به. وفي هذا السياق، لم تعد المدن تُقاس بعدد الوحدات التي تحتويها، بل بقدرتها على جذب الأنشطة الاقتصادية، وخلق فرص العمل، وتوفير بيئة معيشية متوازنة تدعم الإنتاج لا الاستهلاك فقط. ويضع هذا التحول شركات التطوير العقاري أمام مسؤولية فكرية واقتصادية تتجاوز الحسابات المالية قصيرة الأجل، وتفرض عليها تبني رؤية أوسع للأثر الذي تتركه مشروعاتها على المدى المتوسط والطويل.

كما يعيد هذا المفهوم صياغة العلاقة بين الدولة والمطور العقاري، حيث لم تعد الدولة مجرد جهة تنظيمية أو مانحة للأراضي، بل شريكًا في صياغة الأثر الاقتصادي والاجتماعي للعمران. فكلما زاد التنسيق بين السياسات العامة ورؤى التطوير الخاصة، ارتفعت كفاءة توزيع الاستثمارات، وتراجعت الاختلالات الناتجة عن التوسع غير المتوازن أو سوء توجيه الموارد. وفي هذا الإطار، يصبح المطور العقاري فاعلًا تنمويًا يشارك في تحقيق أهداف أوسع تتعلق بالتشغيل، والاستدامة، وجودة الحياة، وليس مجرد مستثمر يسعى إلى تعظيم العائد المالي.

ومن منظور مستقبلي، تشير المؤشرات إلى أن السوق العقاري المصري مقبل على مرحلة فرز نوعي بين نماذج مختلفة من التطوير، حيث ستتمكن الشركات التي تتبنى هندسة الأثر الاقتصادي من تعزيز قدرتها على الاستمرار والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية، بينما ستواجه النماذج التقليدية التي تركز على البيع فقط تحديات متزايدة مع ارتفاع تكلفة رأس المال وتغير سلوك المستثمرين والمشترين. هذا الفرز لا يعكس تحولًا في ذوق السوق بقدر ما يعكس نضجًا تدريجيًا في فهم القيمة العقارية بوصفها قيمة استخدام وتشغيل، لا مجرد قيمة تبادلية.

وفي المحصلة، فإن هندسة الأثر الاقتصادي لشركات التطوير العقاري تمثل انتقالًا ضروريًا من منطق البناء إلى فلسفة إنتاج القيمة، ومن التفكير في العقار كمنتج نهائي إلى النظر إليه كوسيلة لخلق اقتصاد محلي حي ومستدام. ومع تعقّد التحديات الاقتصادية وتزايد الحاجة إلى توجيه الاستثمارات بكفاءة أعلى، يصبح هذا المفهوم أحد المفاتيح الأساسية لإعادة ضبط مسار السوق العقاري المصري، وتحويله من أداة للتحوط وتجميد الثروة إلى ركيزة فاعلة في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة.

وفي لحظة تتسارع فيها وتيرة البناء، وتتكدس فيها الأصول، يصبح السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يُطرح ليس كم نبني، ولا أين نبني، بل لماذا نبني؟ وهل العمران فعل تراكمي بلا معنى، أم هو انعكاس مباشر لفلسفة المجتمع عن العمل والقيمة والمستقبل؟ فالعقار، حين يُفصل عن الاقتصاد الحقيقي، يتحول إلى كتلة صامتة من الخرسانة، وحين يُدمج فيه، يصبح لغة تعبير عن طموح مجتمع وقدرته على إنتاج المعنى قبل إنتاج الثروة. ومن هنا، لا تعود هندسة الأثر الاقتصادي مجرد أداة تخطيط، بل تتحول إلى سؤال وجودي عن طبيعة التنمية ذاتها: هل نطوّر لنملك، أم نطوّر لنعيش؟ وهل نقيس نجاح المدن بما تستهلكه، أم بما تُنتجه؟ وبين هذين السؤالين، يتحدد مصير العمران بوصفه إما شاهدًا على اختلال اقتصادي مؤجل، أو ركيزة لاقتصاد حي قادر على الاستمرار. فالتاريخ لا يتذكر المدن التي بُنيت أكثر، بل تلك التي فهمت معنى البناء، وربطته بالإنسان، والعمل، والزمن.