«هشام عز العرب» يكتب: تحصين البنوك خط الدفاع الأول لاستقرار الاقتصادات
في يوم 15 يناير، 2026 | بتوقيت 7:18 م

كتبت: شيرين محمد
«نشر موقع المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) مقالًا تحليليًا للمصرفي البارز هشام عز العرب، رئيس مجلس إدارة البنك التجاري الدولي «CIB»، تناول فيه أهمية تحصين الأنظمة المصرفية ضد الصدمات، مؤكدًا أن متانة البنوك باتت عنصرًا حاسمًا في استقرار الاقتصادات، في ظل تصاعد التقلبات العالمية وتسارع التحول الرقمي وتنامي دور التمويل المستدام»
كما قال عز العرب، إنه في عالم اليوم، أصبحت التقلبات العالمية هي الثابت الجديد. فالتوترات الجيوسياسية، وتغير التحالفات، واضطرابات سلاسل الإمداد، وعدم الاستقرار المالي، تمارس ضغوطًا مستمرة على اقتصادات بمختلف أحجامها. وفي الوقت نفسه، تسهم التطورات التكنولوجية في تعزيز الإنتاجية، وإعادة تشكيل توقعات العملاء، وإعادة تعريف كيفية خلق القيمة.
وفي ظل هذا المشهد الذي يجمع بين عدم اليقين والتحول، تبرز حقيقة واحدة: مرونة أي دولة لا تنفصل عن مرونة نظامها المصرفي. فالمرونة اليوم تتطلب بنية جديدة، تتمثل في القدرة على تحصين القطاع المالي ضد الصدمات.
لا تقتصر البنوك على كونها وسطاء ماليين فحسب، بل تمثل الجهاز الدوري لأي اقتصاد. فهي تدعم النمو، وتمكّن الاستثمار، وتغذي القطاع الخاص، وتوفر بشكل متزايد بنية تحتية رقمية تربط المستهلكين والشركات بالنظام المالي الأوسع.
وعندما تتعثر البنوك، تتزعزع الاقتصادات. أما عندما تتكيف البنوك وتبتكر، فإنها تصبح ركائز للاستقرار الوطني. ومن هنا، فإن تحصين النظام المصرفي ضد الصدمات ليس خيارًا حصيفًا فقط، بل ضرورة حتمية.
معادلة جديدة للمرونة: التكنولوجيا والتمويل المستدام
لقد جلبت الرقمنة السرعة والشفافية ومكاسب هائلة في الكفاءة إلى الخدمات المالية. فقد أسهمت القدرة على معالجة المدفوعات في الوقت الفعلي، كما توفير إجراءات انضمام سلسة، وأتمتة إدارة المخاطر، وتطبيق حلول قائمة على البيانات، في تحسين تجربة العملاء وتعزيز المرونة التشغيلية بشكل كبير. ومع ذلك، فإن التحول التكنولوجي وحده لا يكفي.
ولحماية الاقتصادات فعليًا من الصدمات الخارجية، يجب دمج التحول الرقمي مع التمويل المستدام. ويعني ذلك إدماج معايير الاستدامة في كل منتج رقمي، وكل شراكة، وكل معاملة، وكل قرار ابتكاري.
يضمن التمويل المستدام أن يدعم توجيه رأس المال النمو الشامل، والمسؤولية البيئية، والتقدم الاجتماعي. وعند اقترانه بالرقمنة، فإنه يخلق نموذجًا تتحرك فيه البنوك بسرعة أكبر، ولكن في الاتجاه الصحيح أيضًا. كما يسهم هذا التكامل في تعزيز الميزانيات العمومية، وتحسين ملفات المخاطر، وتوسيع الشمول المالي، وخلق قيمة اقتصادية طويلة الأجل.
تحصين البنوك ضد الصدمات
ورغم قوة الطرح على المستوى الكلي، فإن الحاجة إلى التحصين ضد الصدمات لا تقل إلحاحًا على المستوى المؤسسي. فبالنسبة للبنوك العاملة في الأسواق الناشئة، حيث تشكل التقلبات جزءًا من البيئة المحيطة، يجب تصميم المرونة بشكل متعمد داخل نموذج التشغيل.
ويتطلب ذلك أربعة عناصر أساسية:
المرونة الاستراتيجية: القدرة على الاستجابة للاضطرابات الاقتصادية في الوقت الفعلي، وإعادة تخصيص الموارد عند الحاجة، وتكييف استراتيجيات الائتمان والسيولة ورأس المال.
التوسع التكنولوجي: الاستفادة من القدرات الرقمية لتنويع مصادر الدخل، وخفض تكلفة خدمة العملاء، وبناء أدوات قوية لإدارة المخاطر.
حوكمة قائمة على الاستدامة: ضمان أن تأخذ عملية صنع القرار في الاعتبار الأثر المجتمعي طويل الأجل، والمتطلبات التنظيمية، وثقة أصحاب المصلحة.
تنمية رأس المال البشري: تمكين الفرق بالمهارات والثقافة وأنماط القيادة التي تعزز التنفيذ والابتكار والمرونة.
إن البنك الذي يتقن هذه الأبعاد لا يكتفي فقط بالنجاة من الصدمات، بل ينمو من خلالها.
تجربة البنك التجاري الدولي
في مصر وفي مختلف أنحاء المنطقة، يُشعَر بالحاجة إلى المرونة بعمق. وفي البنك التجاري الدولي (CIB)، عملنا على بناء هذه القدرة على مدى عقود. واليوم، ومع تأسيس بنكنا الرقمي، ندمج الاستدامة في جميع منتجاتنا وعملياتنا وأطر المخاطر وشراكاتنا. وهدفنا واضح: خلق قيمة لعملائنا، مع تعزيز الاقتصاد المصري في الوقت نفسه.
وقد شكّل هذا النهج الراسخ الحمض النووي للبنك. ففي عامي 2003 و2004، كنت جزءًا من فريق صغير عمل عن كثب مع البنك المركزي المصري لبناء سوق فعّالة وسائلة قادرة على امتصاص الصدمات النظامية. كما أثمر هذا العمل؛ فعندما ضربت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ظل القطاع المصرفي المصري مستقرًا. وفي السنوات اللاحقة، تجاوز القطاع ثورتين، وتعديلات متعددة في أسعار الصرف، وجائحة كوفيد-19، وسلسلة من الصدمات الخارجية.
لم تكن هذه المرونة محض صدفة، بل جرى تصميمها من خلال الانضباط، واستشراف المستقبل، والحوكمة القوية.
التوسع الرقمي والنمو المرتكز على العميل
ترتكز قصة تحول البنك التجاري الدولي على فهم ديناميكيات السوق المتغيرة وتوقع احتياجات العملاء. وقد ركزت استراتيجيتنا باستمرار على تسخير قوة التكنولوجيا لتوسيع النشاط التجاري، وتعميق علاقات العملاء، وتعزيز الأداء التشغيلي.
وقد مكننا ذلك من تحقيق نمو مرن، والتفوق على نظرائنا في الأسواق الناشئة، وبناء سمعة قائمة على الموثوقية والابتكار. وفي الوقت نفسه، يضمن التزامنا بالتمويل المسؤول أن يعود نجاحنا بالنفع على المجتمعات التي نخدمها. ومع توسعنا في أفريقيا جنوب الصحراء، نحمل هذه المسؤولية عبر الحدود. فلم نعد مجرد مصرفيين وطنيين، بل مواطنين إقليميين وعالميين نُسهم في الاستقرار المالي والتنمية المستدامة.
لماذا يحدد التمويل المستدام ملامح المستقبل
كما يُعد التمويل المستدام حجر الزاوية في تحقيق المرونة على المدى الطويل. فهو يحدد ما إذا كان الاقتصاد قادرًا على تحمل الصدمة التالية، سواء كانت جيوسياسية أو اقتصادية أو صحية أو بيئية. ومن خلال توجيه رأس المال نحو استثمارات مسؤولة، يسهم التمويل المستدام في بناء مجتمعات أقوى، وتعزيز الإنتاجية، وتحسين القدرة التنافسية الوطنية.
وعند دمجه مع الرقمنة، يتحول التمويل المستدام إلى درع قوي. قد تأتي الصدمة، لكن يتم امتصاص أثرها، والتخفيف منه، وفي نهاية المطاف تحويله إلى فرصة.
وهذا هو ما تحتاجه أفريقيا والمنطقة أكثر من أي وقت مضى: نمو متين، وشامل، ومدعوم بالتكنولوجيا، قادر على الصمود أمام تقلبات عصرنا. إن تحصين الأنظمة ضد الصدمات ليس استراتيجية دفاعية، بل استثمار في المستقبل؛ والتزام ببناء أنظمة ومؤسسات واقتصادات لا تكتفي بالنجاة من الصدمات، بل تخرج منها أقوى.







