مصر ولبنان: الحضور في اللحظة المصيرية
في يوم 21 ديسمبر، 2025 | بتوقيت 6:25 م

كتب: العالم اليوم
امضيت في لبنان أكثر من عشر سنوات لظروف العمل وكانت من أجمل سنوات حياتي، ارتبطت فيها باهله الذين يحبون مصر بعمق وصدق وحين عدت الى مصر تركت في لبنان عائلتي الثانية ودائرة اصدقائي المقربين.
ولبيروت (ست الدنيا) مكانه خاصه جدا في قلبي لأسباب كثر عددها وعمق أثرها.
حتى بعد استقراري في مصر ما زلت اتابع الاحداث اللبنانية بشكل يومي كأني ما زلت أعيش هناك.
وفي خضم هذه الفترة العصيبة من تاريخ لبنان، تأتي زيارة رئيس مجلس الوزراء د. مصطفى مدبولي اليه في توقيت بالغ الحساسية، قبيل انقضاء مهلة تسليم سلاح حزب الله، وفي لحظة إقليمية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن بالسيادة، والسياسة بالاقتصاد، والوساطة بالمسؤولية التاريخية.
هذه الزيارة لا يمكن قراءتها كتحرك بروتوكولي، بل كرسالة سياسية محسوبة: مصر كانت وستظل حاضرة إلى جانب لبنان في اللحظات المصيرية. فمنذ اتفاق الطائف، مرورًا بمحطات الانقسام الداخلي، وصولًا إلى أخطر أزمات الدولة اللبنانية المعاصرة، لم تغب القاهرة يومًا عن معادلة التوازن والدعم، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار لبنان هو ركيزة أساسية لاستقرار المشرق العربي.
في هذا السياق، يبرز الدور المصري في لبنان باختيار سفراء مصريين متتابعين على مستوى رفيع ، وحضور مصري مؤثر داخل اللجنة الخماسية التي يقودها باحترافيه سفيرنا اللامع في بيروت علاء موسى، حيث تتحرك القاهرة بمنطق مختلف عن منطق الإملاءات أو الاصطفافات الحادة، منطق مبني علي رؤية واحده تضع مصلحه اللبنانيين كأولويه مطلقه.
تتسم السياسة الخارجية المصرية في ملفات غزة ولبنان بالوضوح والاتساق: وساطة فاعلة، رؤية شاملة، وحساسية عميقة لتعقيدات الداخل. مصر لا تبحث عن حلول سريعة بقدر ما تسعى إلى مسارات قابلة للاستدامة، تحمي الدولة الوطنية، وتمنع الانزلاق إلى سيناريوهات التفكك أو الوصاية.
لكن الأهم في زيارة رئيس الوزراء المصري أنها لا تتوقف عند الرسائل السياسية، بل تمتد إلى ملفات التعاون الاقتصادي المصري–اللبناني، باعتباره الضمان الحقيقي لتحويل الاستقرار من شعار إلى واقع. وهنا، كنت أتمنى ان يعكس اجتماع رئيس الوزراء المصري بمجتمع الاعمال اللبناني (والذي نظمته الهيئات الاقتصادية في لبنان) بشكل أقوي اجنده واضحة لهذه الملفات، الا ان نتائج الاجتماع تأثرت بغياب الكثير من رجال الاعمال اللبنانيين الفاعلين والمعنيين بالعمل الاقتصادي مع مصر.
في مقدمة الملفات الاقتصادية الاستراتيجية يبرز قطاع الطاقة، حيث يشكل توليد الكهرباء أولويه لبنانيه عاجله، ويمثل تصدير الغاز المصري حلا عمليا مستداما، ويتصدر ملف اعاده اعمار الجنوب والبنية الأساسية المتضررة المشهد في مجالات التعاون المحتملة.
إلى جانب ذلك، تمثل مصر منصة صناعية واستثمارية جاذبة للصناعيين اللبنانيين، بما تمتلكه من سوق داخلي ضخم، واتفاقيات تجارة حرة، وبنية تحتية صناعية قادرة على خفض كلفة الإنتاج والتنفيذ.
في لحظات التحول الكبرى، تُقاس الدول لا بما تقوله، بل بموعد حضورها وكيفية تدخلها. ومصر، عبر هذه الزيارة، تؤكد أنها تتحرك بمنطق الدولة صاحبة الرؤية، التي تفهم أن حماية لبنان ليست شأنًا لبنانيًا فقط، بل ضرورة عربية واستثمارًا في الاستقرار الإقليمي. من الوساطة السياسية إلى الطاقة وإعادة الإعمار، ترسل القاهرة رسالة واضحة: لا يمكن فصل سيادة لبنان عن حق شعبه في التنمية والاستقرار. فالدولة التي تستخدم خارج نطاق تحقيق مصالح مواطنيها تفقد توازنها، بينما يشكل الازدهار الاقتصادي الضمانة الأهم لاستقرار مستدام يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها.
أما فيما يخص النخبة الاقتصادية العربية بما فيها النخبة المصرية من رجال الاعمال الذين تخطت استثماراتهم الحدود الجغرافية لمصر، فالرسالة هذه المرة بلغة الأرقام والحوافز لا بالشعارات. تشير التقديرات إلى أن احتياجات لبنان في ملف الكهرباء وحده تتجاوز 2.5–3 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث الأولى، بينما يفتح إعادة إعمار الجنوب والبنية التحتية سوقًا يتراوح بين 8 و10 مليارات دولار على مراحل. اعتماد نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص و*البناء والتشغيل ثم نقل الملكية*، مدعومة بتمويل مختلط، يمكن أن يخفض كلفة رأس المال إلى 6–8%، مع تحقيق عائد داخلي يتراوح بين 14 و18% في قطاعات الطاقة والبنية التحتية. هذه ليست نماذج افتراضية، بل مسارات نجحت في دول خرجت من نزاعات مشابهة، حين توافرت عقود شراء طويلة الأجل وضمانات سيادية وإطار تنظيمي واضح.
من هنا، تبرز الحاجة إلى تحرك سريع من تحالف استثماري عربي منظم، ومؤسسات تمويل إقليمية، ليحول إعادة إعمار لبنان من عبء سياسي إلى فرصة نمو حقيقية. فالمعادلة اليوم واضحة: من يشارك في بناء البنية التحتية للاستقرار في لبنان، لن يحقق عائدًا ماديا فقط، بل سيحجز موقعه في الخريطة الاقتصادية الجديدة للمنطقة.







