الأم المصرية.. ركيزة الاستقرار الوطني بين دعم الاقتصاد واهتزاز الأمن الإنساني

بقلم د. منى وهبه

في يوم 15 ديسمبر، 2025 | بتوقيت 5:55 م

كتب: العالم اليوم

:في قلب الأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية التي شهدتها مصر تاريخيا وتحديدا منذ ٢٠١١، لعبت الأم المصرية دورًا يتجاوز رعاية الأسرة لتصبح عنصرًا حاسمًا في حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدولة من داخل البيت.

واجه الاقتصاد المصري ضغوطًا متتالية انعكست مباشرة على الأسرة، بوصفها أصغر وحدة اقتصادية واجتماعية في الدولة. وفي خضم هذه التحولات، برزت الأم المصرية كقوة صامتة أدارت الأزمات اليومية بحنكة، وحملت على عاتقها مسؤوليات اقتصادية واجتماعية تفوق في كثير من الأحيان ما تحمله مؤسسات كاملة، وما تواجهه الام في مجتمعات أخرى كثيره.

تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن نسبة الأسر التي تعولها امرأة في مصر تتراوح بين 29% و33% من إجمالي الأسر. لكن هذا الرقم، على أهميته، لا يعكس الصورة الكاملة؛ فحتى داخل الأسر التي يعيلها رجل رسميًا، تبقى الأم في الغالب هي العقل الاقتصادي الحقيقي، التي تدير ميزانيه البيت،وتحدد أولويات الإنفاق، وتوازن بين الدخل المحدود والاحتياجات المتزايدة، بل وتساهم بجزء كبير من موارد اسرتها.

بهذا المعنى، تمارس الأم المصرية دورًا اقتصاديًا غير مرئيا في الحسابات الرسمية، لكنه بالغ الأثر في الحفاظ على التماسك الاجتماعي ومنع الانزلاق نحو تفاقم الازمات. تقوم الام المصرية بهذا الدور بمنتهي التفاني والكثير من الترفع عن احتياجاتها الشخصية الأساسية لأنها مدفوعة بهدف مقدس بالنسبة لها: رسم حياه أفضل لأبنائها اقتصاديا، تربويا، تعليميا، بما يتجاوز في أحيان كثيره قدره العائلة المادية.

رغم الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، تضع الأم المصرية تعليم أبنائها على رأس أولوياتها لأنه بالنسبة لها الأولوية التي لا تقبل المساومة، باعتباره الاستثمار الأكثر أمانًا على المدى الطويل. وتؤكد بيانات بحث الدخل والإنفاق أن الأسر المصرية تنفق ما بين 9% و16% من إجمالي مصروفاتها السنوية على التعليم.

هذا الإصرار على الاستثمار في   التعليم كأولويه يصطدم بواقع مقلق واجه المجتمع بعاصفة غير مسبوقة هذه الفترة تتمثل في تزايد شكاوى التحرش داخل بعض المدارس والحضانات، إلى جانب ضعف منظومات الرقابة وغياب برامج إلزامية لحماية الطفل، ما يضع الأم أمام معادلة قاسية بين الحرص على التعليم والخوف على الأمن النفسي والجسدي لأطفالها.

تكشف بيانات وزارة التضامن الاجتماعي أن عدد الأطفال الملتحقين بدور الحضانات في مصر يبلغ نحو 1.7 مليون طفل، وهو ما يمثل أقل من 20% من إجمالي الأطفال في الفئة العمرية من 0 إلى 4 سنوات

هذه الأرقام تعكس ليس فقط محدودية الطاقة الاستيعابية، او عدم القدرة الاقتصادية لبعض الاسر بل ترددًا واضحًا لدي البعض، وخاصة الأمهات، في الاعتماد على الحضانات، نتيجة مخاوف تتعلق بضعف الرقابة، وتفاوت جودة الخدمة، وغياب منظومة متكاملة لحماية الطفل. وهو ما يدفع كثيرًا من الأمهات إلى تحمّل أعباء إضافية داخل المنزل، أو الخروج الجزئي من سوق العمل، بما ينعكس سلبًا على مشاركة المرأة الاقتصادية وعلى الاستقرار الأسري.

من هنا، تصبح الحضانات حلقة أساسية في منظومة الأمن الإنساني، لا مجرد خدمة اجتماعية، ويغدو تطويرها وتنظيمها ضرورة تنموية واقتصادية.

لا يتوقف قلق الأمهات عند حدود التعليم المبكر أو المدرسي، بل يمتد إلى النوادي ومراكز التدريب الرياضي. فضعف الإشراف، وغياب معايير السلامة، وقصور آليات الشكوى، دفع كثيرًا من الأمهات إلى التردد في إرسال أبنائهن للتدريبات، رغم إدراكهن لأهمية الرياضة في بناء شخصية متوازنة صحيًا ونفسيًا.

لم يعد الأمن الإنساني مفهومًا نظريًا، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الأسرة على توفير بيئة آمنة نفسيًا وتعليميًا واجتماعيًا للأطفال. والأم المصرية هي الطرف الأكثر التصاقًا بهذه المهمة، إذ تتحمل العبء الأكبر في حماية التوازن النفسي داخل الأسرة، ومنع الانحراف، والتعامل مع الأزمات اليومية.

ان قنابل التحرش والإهمال التي تفجرت مؤخرا تعتبر مؤشرا خطيرا الي اهتزاز مفهوم الامن الإنساني للطفل في مصر، والي صدمه تصيب كل ام مصريه من ايه طبقه اجتماعيه تشعر بانها بذلت الكثير خاصه وقت الازمات الاقتصادية لكي تستثمر في تحقيق اكثر رفاهه لأبنائها فواجهت واقعا مخيفا قاسيا من غياب ابسط حقوق الطفل وهو امنه الإنساني .

إذا كانت رؤية مصر 2030 تستهدف بناء دولة حديثة تقوم على التنمية المستدامة ورأس المال البشري، فإن أي حديث جاد عن هذه الرؤية لا يكتمل دون وضع الأم المصرية واطفالها في قلب معادلة الأمن الإنساني والاقتصادي.

إن غياب سياسات واضحة لحماية الطفل وتشديد الإشراف على المؤسسات التعليمية والرياضية وجذب الاستثمارات الجادة والواعية في مجال التعليم لا يمثل خللًا اجتماعيًا فحسب، بل مخاطرة استراتيجية تهدد جودة رأس المال البشري الذي تراهن عليه الدولة في مستقبلها