عندما تمتلك مصر التكنولوجيا… تتغيّر قواعد اللعبة في صناعة المقاولات
في يوم 7 ديسمبر، 2025 | بتوقيت 2:40 م

كتب: العالم اليوم
على مدار قرون، تغيّرت الصناعة، وتغيّر النقل، وتغيّرت الاتصالات، وانقلبت التكنولوجيا رأسًا على عقب… لكن قطاع المقاولات ظلّ يتحرك بخطى عجوز أنهكه الزمن، غير قادر على مواكبة ما يجري حوله من ثورات تكنولوجية. ويكفي أن نذكر (كدعابة فيها الكثير من الحقيقة)، أن أجدادنا عندما بنوا الأهرامات لم يكونوا يعملون بطريقة تختلف كثيرًا عن نمط البناء التقليدي اليوم: جهد يدوي هائل، وقت يمتد بلا نهاية، طوب يتراكم، وجودة تتوقف، بشكل لا يليق بعصرنا، على مهارة العامل ومزاجه اللحظي. ولعلّ هذه المفارقة تكشف لماذا أصبح هذا القطاع اليوم في أمسّ الحاجة إلى ثورة حقيقية تعيد صياغة معاييره.
فالعالم لم يعد يقيس قوة الدول بما تبنيه فقط، بل بكيف تبنيه، وبالتكنولوجيا التي تقف خلف عملية البناء نفسها. الدول التي تمتلك القدرة على تصنيع تكنولوجيا البناء الحديثة هي وحدها القادرة على خلق صناعات عالية القيمة، تساهم في الرفاهة الاقتصادية للمواطن بالمفهوم الشامل، وتدعم الاستدامة وتصدر منتج بقيمه مضافه مرتفعة.
وفي هذا الإطار، تتحرك مصر بثبات خلال الفترة الأخيرة نحو أن تكون مركزًا إقليميًا لهذه الثورة الصناعية الجديدة في قطاع المقاولات، مدفوعة بسياسات صناعية تستهدف جذب الاستثمارات ذات المكون التكنولوجي المرتفع وتوطين نظم البناء الحديثة، خاصه في المنطقة الاقتصادية لقناه السويس التي استطاعت أدارتها الحالية احداث طفره ملحوظه في ملف جذب الاستثمارات الأجنبية.
توجد العديد من العوامل التي تؤهل مصر ان تكون مركزا صناعيا لتصدير نظم البناء الحديث، أولها انها أكبر أسواق المقاولات في المنطقة من حيث حجم الأعمال المنفذة بالفعل سنويًا، اتساع قاعدة الطلب السكاني، عدد المدن الجديدة الجاري تطويرها، وحجم الصناعات المرتبطة بقطاع المقاولات. ، مما يجعل تحديث التكنولوجيا الصناعية في هذا القطاع ضرورة استراتيجية تتماشى مع حجم التطوير القائم على الأرض.
في هذا السياق يبرز نظام Modula الذي طوره الاخ العزيز الصناعي اللبناني وصاحب براءة الاختراع لهذا النظام شارل جوزف الخوري، الذي أسس له قاعده صناعيه في المنطقة الاقتصادية لقناه السويس بعد سنوات طويلة من الخبرة في أسواق لبنان ، السعودية ومصر . فقد أعاد النظام الجديد تصور عملية البناء من جديد، وابتكر أول نظام هجين، يوحّد بين الخرسانة الهيكلية، والبناء المعياري، والحلول سابقة التجهيز داخل منهج صناعي متكامل. ويمتاز هذا النظام بمنظومة رقمية عالية الدقة تعتمد على التصميم الآلي وسلاسل تصنيع تضمن ثبات الجودة، وتتبعًا كاملًا لكل مرحلة من مراحل التنفيذ، وقدره علي توقع عناصر التكلفة والزمن، وهي عناصر نادرًا ما تتوافر في البناء التقليدي. يقدم هذا النظام مبني يتوافق مع كل اكواد البناء، عالي الجودة، سريع التنفيذ، منافس سعريا في حاله النماذج المتكررة، مرشد للطاقة ومحافظ على المعايير البيئية.
ولكي تتمكن تكنولوجيات البناء الصناعي مثل Modula من القيام بدورها الكامل في الاقتصاد المصري، فإن الأمر لا يتوقف عند نقل التكنولوجيا أو إقامة خطوط الإنتاج، بل يتطلب وضع سياسات مساندة تعزز هذا التحول. تبدأ هذه السياسات بإصدار تشريعات مرتبطة بالاستدامة تمنح الأولوية في المشروعات الحكومية للبناء الأخضر، إلى جانب تقديم حوافز مالية للمطورين والمقاولين الذين يتبنون تقنيات البناء المستدام. كما يستوجب الانتقال إلى البناء الصناعي منظومة تمويل مصرفي جديدة تتناسب مع سرعة التنفيذ ودورات رأس المال القصيرة، بعيدًا عن أنماط التمويل التقليدية للوحدات السكنية. ويبقى الدور الحاسم في إنجاح هذه المنظومة لدى المطورين العقاريين والمقاولين.
وهكذا تصبح Modula ليس فقط مجرد تقنية تدخل السوق المصرية، بل أداة تتناغم مع فلسفة الدولة ذاتها في إعادة تشكيل العمران على أسس حديثة. ففي الوقت الذي تعاد فيه صياغة الخريطة العمرانية لمصر بسرعة غير مسبوقة، وتُبنى مدن جديدة ومساحات عمرانية عملاقة في زمن قياسي، يقدم هذا النظام إجابة تكنولوجية على سؤال الدولة: كيف نبني أسرع، وبجودة أعلى وبمواصفات ترشد استهلاك الطاقة، وتنافسيه سعريه لا تؤثر سلبا على المعايير البيئية؟ وهنا تتحول التكنولوجيا من خيار إلى ضرورة وطنية تدعم رؤية مصر في بناء مستقبلها العمراني وتطوير قدراتها الإنتاجية.
ويبقى واحد من أكثر جوانب هذا المشروع إلهامًا أنه حلم لبناني في فكرته واستثماره، نُفّذ بسواعد مصرية ولبنانية وتعاون سعودي، حلم يعكس ما يمكن أن تنجزه الشراكات العربية حين تجتمع الفكرة مع التمويل والقدرة على التنفيذ. لم تولد MODULAكمبادرة محلية محدودة، بل كفكرة عربية طموحة عابرة للحدود، تحمل رؤية تثبت ان منطقتنا يمكنها ان تقدم نموذجًا صناعيًا جديدًا قادرًا على المنافسة عالميًا. إنه تكامل عربي، وجسر من التعاون بين القاهرة وبيروت والرياض، وجد في مصر منصته الصناعية، وفي الشراكة الإقليمية قوته الدافعة نحو العالمية.







