ترامب – ممداني: قراءه في فكر قياده الشركات بين الفوضى المنظمة والمؤسسية

بقلم / د. منى وهبة

في يوم 27 نوفمبر، 2025 | بتوقيت 12:21 م

كتب: العالم اليوم

وقفت طويلا امام مشهد استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعمده نيويورك زهران ممداني في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض . رئيس أقوى دوله في العالم ، وصاحب امبراطوريه ماليه كبيره يستقبل مواطنا أمريكيا من اسره مهاجره بسيطه استطاع ان يتحدى ارادته بأصوات الناخبين ويصل الي منصب عمده نيويورك ( مقر تمركز نشاط ترامب المالي) .. رجلان خاضا معركه سياسيه وكلاميه شرسه وغير متوازنه ولكن قررا العمل سويا من اجل المشروع الأمريكي ، ولان ارض المعركه كانت أمريكا انتصرت باراجماتيه الرجلين علي الصراع بينهما المدعوم باختلافات جذريه في قضايا رئيسيه مثل الموقف من إسرائيل والمهاجرين. وانا هنا لا اراهن علي نجاح او فشل ممداني فيما سيفعله لاحقا ، لكني أقيم نجاحه الذي كرسه بالفعل بفوزه في الانتخابات .

وفي زمن تتسارع فيه التحديات السياسيه والاقتصاديه، لم يعد من الممكن الفصل بين اداره الدوله واداره الشركات ، فالعالمان يتقاطعان في جوهرهما: قياده، قرارات، منظومه ومؤسسات .

ونرجع لهذا المشهد المفصلي، نركز الكاميرا علي المكتب البيضاوي في البيت الأبيض ، لنرى نموذجين متناقضين يمكن من خلالهما قراءه المشهد الإداري الحديث ، نموذج ترامب ونموذج ممداني .

لسنا بصدد عمل مقارنه سياسيه بقدر ما هي محاوله لفهم كيف تدار الكيانات المعقده، وكيف يمكن لاسلوب القياده ان يصنع النجاح .. او يقود الي الفوضى .

يجسد ترامب نموذج القياده بالفوضى المنظمه والتي تعتمد علي : القرارات الفوريه المبنيه علي الحدس وليس البيانات ، تحييد المؤسسات ، الاعتماد علي الولاء قبل الكفاءه ، الانفعال السياسي والإعلامي ، غياب المسارات الواضحه ، تضخيم الذات علي حساب المنظومه ، العداله الانتقائيه ، الشلليه باختيار الأصدقاء والاقارب أو الأشخاص ( المريحين ) وليس الاكفاء. ورغم قدره هذا النموذج علي خلق حركه وضجيج ، الا انه غالبا ما ينتج عنه : تذبذب في الاتجاهات ، غياب الاستقرار ، التفكك المؤسسي ، ضعف الثقه داخل الفرق والاحساس بالمظلوميه ، وتعطل عمليه صناعه القرار السليم . انها اداره ” الكاريزما ” لا اداره ” المنهج ” .

علي الجانب الاخر ، يقدم ممداني نموذجا إداريا يقوم علي : تمكين المؤسسات ، احترام الخبراء حتي مع اختلاف وجهات النظر معهم ، وضوح الهياكل ، بناء منظومات قابله للاستمرار ، الاداره بالمناهج العلميه ، وصنع قرار يعتمد علي البيانات وليس المزاج. هذا النموذج اقل ضجيجا ، لكنه اكثر قدره علي : خلق قيمه حقيقيه ، استدامه النجاح ، جذب الكفاءات وضمان استقرار طويل الأمد .

هنا ، لا يصبح القائد ” بطلا خارقا ” بل مهندسا يدير شبكه واسعه من الكفاءات والمؤسسات .

يمثل ممداني ، العمده الأمريكي ذو الأصول الهنديه ، احد ابرز النماذج المدنيه الحديثه في الاداره المحليه في الولايات المتحده التي تعتمد علي الفريق لا القائد الواحد .

تشير الدراسات الحديثه الي ان الدول والشركات تتشارك في مجموعه من الثوابت وهي : وضوح الرؤيه ، فصل الأدوار ، محاسبه شفافه ،مؤسسات قويه لا تتغير بتغير الأشخاص وقرارات نابعه من منظومه لا من مزاج فرد.

ان الهدف ليس تحليل ما سيحدث فيما بعد في العلاقه بين الرجلين ، وتأثيره علي الشارع الأمريكي والعمل السياسي ، الهدف هو تحليل نمط الفكر القيادي الذي يمكن ان تتبناه الشركات والكيانات : هل نريد قياده تقوم علي مزاج الفرد واختياراته ام قياده تقوم علي بناء نظام متكامل ؟

الاداره الترامبيه قد تنجح في خلق ضجيج اعلامي وفي عقد صفقات قد تكون مدويه في لحظتها ، لكنها نادرا ما تؤسس قيمه دائمه الا بدعم الدوله العميقه في أمريكا التي تقوم علي المؤسسات .

بينما ما ظهر من الاداره الممدانيه في هذه الفتره القصيره من العمل السياسي ، يوضح انها اداره اقل اندفاعا ، لكنها تبني ارضيه صلبه وتضمن النمو وتحمي المؤسسات .

لن يكون المستقبل لمن يملك الصوت الاعلي ، بل لمن يملك المنظومه الاقوي .

ولان القياده ليست استعراضا ، بل التزام بالحوكمه والرؤيه واختيار الكفاءات وتقبل الاختلاف معهم ، يبقي النموذج المؤسسي – كما يقدمه ممداني وآخرون – هو النموذج القادر علي بناء كيانات مستقره إداريا ، متطوره اقتصاديا وعابره للافراد .