د. اسماعيل عبد الجليل رئيس مركز بحوث الصحراء الاسبق ل ” العالم اليوم” : تنمية سيناء لن تتحقق سوى بعبور استثمارات القطاع الخاص..وثرواتها تؤهلها لمنافسة سنغافورة وماليزيا

مطلوب عقد مؤتمر موسع قبل تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الدولة لتنمية سيناء والتي اعلنها رئيس الوزراء

نستورد 13 ألف خامة دوائية سنويا بينما سيناء يتواجد بها 1250 نوع نادر يستخلص منه الادوية والعقاقير الطبية

في يوم 7 نوفمبر، 2023 | بتوقيت 8:07 ص

كتب: مني البديوي

 

” اعلن الدكتور مصطفى مدبولى خلال زيارته الأخيرة لشمال سيناء عن ” مرحله ثانية ” فى خطة الدولة لتنمية سيناء دون ان يكشف عن تفاصيلها سوى الإشارة الى تخصيص 400 مليار جنيها لتنفيذها لأستكمال المرحلة الاولى السابقة لها التى تكلفت نحو 660 مليار جنيها …” …بتلك الخطوة المعلنة من جانب الحكومة لتنمية احد اهم البقاع المصرية تحدث الدكتور اسماعيل عبد الجليل رئيس مركز بحوث الصحراء الاسبق في حواره مع ” العالم اليوم” ، مقترحا ضرورة ان يسبق شروع الحكومة فى المرحلة الثانية لتنمية سيناء عقد مؤتمر موسع تحت عنوان “الواقع والمأمول فى تنمية سيناء ” تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى يجمع بين خبراء التنمية فى الجامعات ورجال الاعمال والمستثمرين وكافة اطياف المجتمع السيناوى .​

واقترح ان تتولى أكاديمية البحث العلمى استضافة المؤتمر وتنظيمه بأعتبارها الجهة العلمية الحاضنة لمشروعات تنموية عديدة و ان يتناول المؤتمر اسباب الفجوة الكبيرة بين الواقع والمأمول منذ عودة سيادتنا على ارض سيناء بالكامل فى الثمانينات من القرن الماضى حينما شرعنا فى تحديث الدراسات العلمية السابقة عن سيناء واضفنا لها الكثير والكثير من المجلدات والموسوعات تحت مسمى ” البرنامج القومى لتنميه سيناء ” وكان الهدف المأمول آنذاك هو توطين 3 مليون مواطن بينما الواقع الحالى يشير بعد انقضاء نصف قرن الى ان سيناء لازالت تعانى فراغا بشريا حيث لا يتجاوز عدد سكانها بشمالها وجنوبها نصف مليون يعيشون على نفس المساحة التى يتكدس بها فى وادي النيل والدلتا اكثر من 100 مليون مصريا !!.

واوضح ان المؤتمر يجب ان يجيب عن عديد من الأسئلة اهمها العوامل الكامنة وراء اسباب الواقع الحالى لسيناء الذى لا يتناسب مع المزايا النسبية العديدة التى تنفرد بها بموقعها الجغرافى العبقرى وتنوع مناخها ومواردها الطبيعية الهائلة ؟ ..ولماذا لم ننجح حتى الان فى استثمار المزايا النسبية لسيناء بتحويلها الى قدرات اقتصادية تناقسية تحقق نهضة تنموية مماثلة لسنغافورا وماليزيا وغيرها من الدول الصاعدة جنوب شرق آسيا ؟، مشيرا الي انه لا يجب ان نغفل خصوصية التركيبه السكانية لسيناء التى تجمع بين خصائص المجتمع البدوي والحضرى وتعارض بعض السياسات الحكومية مع تلك الخصوصية، كما لا يجب ان يتجاهل المؤتمر اسباب عزوف رجال الاعمال عن الاستثمار بسيناء تحت وطأة هواجس المخاطرالامنية والسياسات الحكومية المقيدة للملكية والتصرف .

وقال ان ملامح استراتيجية تنمية سيناء فى المرحلة الاولى ارتبطت بتوقيتها الزمنى للمواجهة الأمنية مع الارهاب فى شمال سيناء ورغبة الدولة فى ” كسب الوقت ” بتنمية مدن القناة لحين تحقيق الاستقرار الامنى بشمال سيناء ، مشيرا الي ان الرؤية الاستراتيجية لتنمية سيناء فى المرحلة الاولى استهدفت العبور بالحيز العمرانى لمحافظات القناه الثلاث بورسعيد والإسماعيلية والسويس من الغرب الى الشرق بعمق 30 كيلومترا كأمتداد لها بسيناء ،و تضمنت تلك المرحلة ايضا الربط البرى بين شطرى الوطن بمجموعة من الانفاق العصرية والطرق الحديثة، كما تضمنت تنفيذ رؤية استراتيجية غير مسبوقة وهى تحويل قناة السويس من مجرد ” ممر مائى عابر ” للسفن بعائد اقتصادى متواضع الى ” مستقر استثمارى جاذب ” للشركات العالمية بمنطقة قناة السويس الاقتصادية (SCZone) كمنطقة حرة ومركزًا تجاريًا عالميًا على ضفاف القناة التي تم توسيعها حديثًا وهو ماسوف يضاعف ايراداتها عشرات المرات ، بالأضافة لتوفير الآف فرص العمل ومساحة المنطقه الحرة تعادل حوالى ثلثي مساحة سنغافورة وتتكون من منطقتين متكاملتين ومنطقتين للتطوير وأربعة موانئ.

وأردف : انه بالرغم ان رئيس الحكومة لم يفصح عن ملامح واهداف المرحلة الثانية لتنمية سيناء الا انه يتمني ان تكون ” عبورا اقتصاديا ” لصادرات تنتج فى الشرق بسيناء وتصدر وتسوق فى الغرب حيث منطقه قناه السويس الاقتصادية ، عبورا اقتصاديا تهيئ له الحكومة مناخا حافزا لأستثمارات القطاع الخاص والتعاونى بسياسات وهياكل جديده كفيلة بخفض هواجس المخاطرة السائدة لدى عدد كبير من رجال الاعمال عن الاستثمار بسيناء بالرغم من الفرص والمزايا النسبية المتاحة بها وبالأخص بعد ان وفرت الدولة لهما البنية والمرافق الاساسية للأستثمار فى المرحله الاولى .

واكد عبد الجليل ان تنمية سيناء لن تتحق سوى بعبور استثمارات القطاع الخاص والتعاونى لها وان الطموحات المتواضعة فى تنمية سيناء يجب ان ترقى لثراء مزاياها النسبية التى تنفرد بها عن سنغافورة وماليزيا.. وغيرها من الدول الصاعده .

وقال انه بالرغم ان سيناء تتمتع بين جبالها وسهولها بثروه نباتية برية تقدر بنحو 1250 نوعا من الانواع النادرة والمهددة بالأنقراض التى يستخلص منها الادوية والعقاقير الطبية وكل المنتجات الحيوية الا اننا لا نملك فى سيناء مشروعا واحدا لأستخلاص خامات صناعه الدواء من نباتات طبية بينما نستعوضها بأستيراد نحو 13 ألف خامة دوائية سنويا بينما استطاعت سنغافورة خلال العشر سنوات الماضية ان تحتل المركز الرابع عالميا فى التكنولوجيا الحيوية وصناعة الدواء بفضل بنيتها التحتية ذات المستوى العالمي والكوادر الفنية الماهرة والسياسات الحكومية الحافزة للأستثمار.

واستطرد : ان متوسط العائد السنوى لصناعة الادوية فى سنغافورة 7 مليارات دولار وهو مايقارب عائد قناه السويس ، مشيرا الي ان سنغافورة تعد واحدة من المراكز الطبية الحيوية والصيدلانية الرائدة في آسيا على مدى السنوات العشر الماضية وانها تطورت لتصبح مركزًا للتكنولوجيا الصيدلانية والطبية و تحتل المركز الرابع عالميا فى صناعه الدواء .

واضاف انه بالرغم ان سيناء تزخر بالعديد من الثروات المعدنية الغير متجددة الا اننا لازلنا نتعامل معها بطريقة بدائية جدا بوصفها محاجر لتسويق الخامات بأسعار متدنية دون إجراء اية معالجات لها بدلا من استثمارها فى التنمية الصناعية فى اطار رؤيه استراتيجية تحول الميزة النسبية للثروة المعدنية فى سيناء الى مشروعات متكاملة – قابله للتنافس فى السوق العالمي – وهو مايفقدنا القيمة الاقتصادية المضافة و مزايا اخرى كثيرة كزيادة فرص التشغيل بسيناء والمساهمة فى ايجاد مجتمعات تكنولوجية .

وأردف : ان سيناء تنفرد بانقي الرمال البيضاء التى تمتاز بدرجة نقاوة تصل إلى 99.9% سليكا مما يؤهلها الى صناعه الرقائق الإلكترونية وخلايا الطاقة الشمسية.. وغيرها من صناعات الزجاج الا اننا اكتفينا خلال سنوات طويلة بتصدير خام الرمال اليضاء بأسعار متدنية لاتتجاوز 20 دولارا للطن الواحد الى اوربا والصين حيث يتم استكمال خطوات تصنيعها حيث يرتفع سعر الطن الخام الى 200 دولار بعد الغسيل فقط، والى 10 الاف دولارا عند تحويله إلى السيليكون النقى المطلوب فى صناعه الخلايا الشمسية، والى 100 الف دولارا عند استخدامه فى تصنيع الرقائق الإلكترونية.

وتساءل لماذا لا يستثمر القطاع الخاص فى مصر بتلك الصناعة الحيوية التى لا زالت تفتقر الى البنية الاساسية اللازمة من مغاسل الرمال وافران الصهر.. وغيرها من مرافق تستحق الاستثمار به لجدواه الاقتصادية العالية وبالأخص صادرات الخلايا الشمسية الى افريقيا .

واقترح وضع رؤية استراتيجية لأقامه مدينة للصناعات الثقيلة على ان تقام الصناعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر فى بير العبد والمساعيد بحيث توفر فرص العمل لعدة الاف وتنهى للأبد الاساليب التقليدية السابقة فى تصدير ثروات سيناء المعدنية كمواد خام وكذلك الحال بالنسبة للتصنيع الزراعى للفاكهه والخضر والنباتات الطبية .

واكد ان سيناء تملك المزايا النسبية التى تؤهلها لتحقيق الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الحقلية والفاكهة والخضر اذا احسنا تحويل المزايا النسبية لتنوعها البيئى فى درجات الحراره والامطار ومخزون السيول الى مزايا تنافسية بأستخدام التقنيات الحديثة فى كافه المراحل من الانتاج الى الحصاد والتعبئة وسلاسل التوريد ، مشيرا الي ان تحقيق هدف الاكتفاء الذاتى الزراعى من اراضى الاستصلاح الجديدة على ترعة الشيخ جابر وترعة الشيخ زايد يجب ان يسبقه سياسات حافزة من الدولة لملكية الاراضى واسعارها برؤية جديده ترجح ” الوظيفة الاجتماعية ” للأرض الزراعية وهى الاستقرار والتوطين على ” العائد التجارى ” لطرحها بالمزاد بأسعار مبالغ بها دون مراعاه لتكاليف الزراعة والخدمة .

وقال ان سيناء تحظي بمزايا تؤهلها لصناعة سمكية قوية بحيازتها نحو 47 % من اجمالى المصايد البحرية فى مصر ، بالأضافة الى بحيرة البردويل التى تبلغ مساحتها نحو 165 الف فدانا وتعد ثانى اكبر بحيرات مصر واقلها تلوثا واكثرها ثراءا بأفخر انواع أسماك التصدير من الدنيس والبوري والوقار والقاروص واللوت، وهي أسماك ذات سمعة عالمية ومحلية ممتازة . وليس سرا ان هناك دراسات جدوى لأستثمار ملاحات البردويل فى صناعه رماد الصودا المتعدد الاستخدام فى صناعات الزجاج .

واشار الي ان هناك دراسة حديثة للبنك الدولى عن الجدوى الاقتصادية لعدد من المشروعات الزراعية والصناعية والسمكية المقترحة من المجتمع المحلى فى شمال سيناء ، موضحا ان الدراسة تمت بناءا على طلب الرئيس السيسى من رئيس البنك الدولى جيم يونج كيم فى سبتمبر 2017 وتم تسليم نتائجها الى مجلس الوزراء وتمتاز الدراسه عن غيرها من دراسات سابقة لتنمية سيناء بأنها تتضمن رؤية وطموحات عدد كبير من شيوخ القبائل والمجتمع المدنى ورجال الاعمال والتنفيذين الذين تبادلوا الحوار مع خبراء البنك من خلال اربع مجموعات عمل متخصصه فى الزراعه والصناعه والتعدين والسياحه.