د. اسماعيل عبد الجليل  رئيس مركز بحوث الصحراء الاسبق ل ” العالم اليوم ” :  تراجع المساحات والانتاجية يهدد مستقبل زراعة القمح ..ومطلوب تشكيل لجنة عاجلة لتقييم الموسم الحالي

التحليل الأولي يفيد بانخفاض الإنتاجية الإجمالية بواقع 1.5 مليون طن عن المستهدف !!

وزارة التموين تحملت العبء الاكبر فى مواجهة التحديات الإنتاجية للموسم  ..والزراعة تلتزم الصمت

في يوم 9 مايو، 2023 | بتوقيت 9:09 ص

كتب: مني البديوي

 

” لم تكشف وزاره الزراعة حتى الان عن اسباب تراجع مخططها الانتاجى للموسم الحالى عن المستهدف..والتحليل الاولى للبيانات الرسمية المعلن  عنها للموسم الحالى 2023 تشير الى انخفاض المساحه المنزرعه بواقع 800 الف فدانا عن المستهدف ..وانخفاض الإنتاجية  الاجمالية بواقع 1.5  مليون طنا عن المستهدف.!!…” …بتلك الحقائق المؤلمة حول انتاجية القمح هذا العام والتراجع الكبير في المساحات المنزرعة وسط صمت من جانب وزارة الزراعة حول اسباب ذلك استهل الدكتور اسماعيل عبد الجليل  رئيس مركز بحوث الصحراء الاسبق والخبير بالهيئة الدولية للتغيرات المناخية حواره مع ” العالم اليوم” ، مطالبا بضرورة  تشكيل  لجنة غير حكومية  عاجلة من خبراء الزراعة لتقييم موسم القمح الحالى ودراسة اسباب تراجع المساحات والانتاجية بشكل بات يهدد مستقبل زراعه القمح فى مصر . 

واشاد بالمؤتمر الصحفي الذي عقده وزير التموين والتجارة الداخلية الدكتور علي المصيلحي الاسبوع قبل الماضي وما أعلنه من  بيانات متعلقة  بأنتاجيات محصول القمح للموسم الحالى لتفادى تضاربها مع بيانات وزاره الزراعة او غيرها ، مؤكدا ان ذلك يمثل تطور ايجابى يوفر الشفافية المنشودة فى مواجهه تحديات الامن الغذائى .

وقال  ان “مصيلحي” قد كشف عن  مجموعة من المؤشرات التى تستحق الدراسة والتحليل وابرزها انخفاض مساحة القمح المنزرعه الى 3.2 مليون فدان بينما كان المستهدف 4 ملايين فدانا طبقا لخطة وزاره الزراعة و انخفاض الإنتاجية  الإجمالية  الكلية الى حوالى 9 مليون طنا بينما كان المستهدف 10.5 مليون طنا وهو مايعنى تراجعا افقيا فى المساحة ورأسيا فى الإنتاجية  يشكلان معا تحديا كبيرا لسد فجوة القمح  .

واضاف ان وزير التموين قد اشار الى ان آخر شحنة قمح مستورد تعاقدت على شرائها الوزارة كانت 600 الف طن بسعر 293 دولارا للطن وان الوزارة تستهدف  الحصول على ما يتراوح ما بين 3.8 إلى 4 ملايين طن قمح على أن تتوفر باقي الكميات المنتجة محليا ، لافتا الي ان التساؤل  المنطقى المطروح عن امكانية توفير تلك الكميات محليا فى ظل ” التوريد الاختيارى ” وحقيقة الانخفاض الافقى فى المساحة والانخفاض الرأسى فى الإنتاجية  وهو ماسوف ينعكس بالتأكيد على توقعات متداولة عن احتمال تراجع توريدات المزارعين بنسبه 50 % مقارنه بالموسم السابق .

واكد عبد الجليل ان وزارة التموين  تحملت العبء الاكبر فى مواجهة التحديات الإنتاجية لموسم القمح الحالى بسياسات وضوابط غير مسبوقة ابرزها : طرح القمح فى البورصة المصرية للسلع للقطاع الخاص لأول مرة فى تاريخ وزارة التموين و الغاء التوريد الاجبارى مع ضرورة  التزام الموردين طواعية بسعر وضوابط التوريد  و تجريم الاستخدامات الغير رشيدة للقمح فى السوق الحر بينما تلتزم وزارة الزراعة الصمت ولم تكشف حتي الان عن اسباب تراجع الإنتاجية .

وارجع  اسباب تراجع مساحات القمح  عن المستهدف  للموسم الحالى لعوامل عديدة اهمها : ان سعر التوريد المعلن من الحكومة ” 1000 جنيها / للاردب لموسم 2023 ” لم يحظي برضاء عدد كبير من المزارعين الذين وصفوه بالسعر ” الغير عادل ” فى ظل ارتفاع اسعار المدخلات مما دفع بعضهم الى اختيار زراعة محاصيل اخرى بديلة اقل تكلفة انتاجية واكثر عائدا ربحيا ، ثم جاء  التوقيت الزمنى لأعلان الحكومه زياده اسعار التوريد الى 1250 جنيها ثم الى 1500 جنيها  بعد انسحاب عدد كبير من مزارعى القمح الى اختيارات محصولية اخرى فلم تنعكس الزيادات الحافزية على زيادة المساحات المنزرعة وكان الاجدر والاجدى ان تكون قبل الزراعة بتوقيت كاف حتى تحقق المستهدف منها . 

 
واضاف ان من العوامل المؤثرة ايضا علي انخفاض الإنتاجية ان اسعار التوريد المعلنة من الحكومة للزراعات التعاقدية يتم تقديرها فى غياب ممثلى الفلاحين المنتجين وبحسابات تتجاهل تكاليف الانتاج واسعار المستلزمات الفعلية مما انتهى بسوق يتنافس به سعران احدهما حكومى يطلق عليه المزارعون ” سعر غير عادل للمنتج  ” وآخر تحركه قوى العرض والطلب فى السوق الحر الموازى وهو مااسفر عن ” سعر غير عادل للمستهلك ” تتكبده جيوبهم ، مشددا علي ان غياب السعر العادل الحافز لتشجيع الفلاحين على زراعة القمح صنع تضاربا فى المصالح بين المنتج ( الفلاح ) والمشترى ( وزاره التموين ) وهو كان يمكن تفاديه بالتفاوض المبكرالمباشر بينهما بالحسابات الواقعية الفعلية لتكلفه الانتاج وتقدير هامش الربح العادل الذى يحقق المنفعه المتبادلة للطرفين 
 
واكد عبد الجليل ان المفاضلة بين عائد زراعة القمح ..وغيره من المحاصيل  الاخرى كالفول والحمص والكمون والينسون والبصل والثوم ..وغيرها لم تعد فى صالح القمح بالرغم من كونه محصولا استراتيجيا !!، مشيرا الي انه من واقع الخبرة الحقلية للمزارعين فى ظل الظروف الراهنة يبلغ متوسط صافى عائد فدان الفول البلدى اكثر من 25 الف جنيها اى 3 اضعاف صافى عائد فدان القمح !!،  كما يبلغ متوسط صافى عائد فدان الحمص اكثر من 4 اضعاف صافى فدان القمح بينما يبلغ متوسط صافى عائد فدان الينسون 12 ضعف والكمون 15 ضعف صافى فدان القمح !! 
 
وشدد علي ان الاختيارات البديلة لزراعة القمح عديدة مما يستحق مراجعة الحكومة لها بمنهج علمى قبل استمرار انكماش مساحات القمح فى المواسم القادمة  بشكل يضاعف فاتوره استيراد القمح  من الخارج .
 
 واكد ان تواضع سعر توريد القمح بالنسبة لمكونات الاعلاف التقليدية الاخرى كالذرة وفول الصويا دفع صغار مربى الماشية والمجترات والدواجن والمزارع السمكية الى استخدام القمح” كعلف” بديل زهيد الثمن بالرغم من تواضع قيمته الغذائية والصحيه كعلف . 

واشار الي اسباب الانخفاض الرأسى فى الإنتاجية  بمتوسط 18 اردب للفدان بينما المستهدف كان رفعه الى 22 اردب للفدان  كمتوسط عام فى ضوء مخطط زيادة عدد الحقول الإرشادية  ومساحتها طبقا لتصريحات القائمين على زراعة القمح بوزارة الزراعة ، موضحا انه من واقع شكاوى المزارعين فان انخفاض الإنتاجية   الى  اقل من 15 اردب للفدان يرجع لعدة عوامل: اهمها  ازمة توفير التقاوى المنتقاه والتي ادت الى عدم التزام كثير من المزارعين بالخريطة  الصنفية القائمة على اختيار الصنف الملائم للظروف البيئية لمنطقة الزراعه مما انعكس سلبيا على الإنتاجية  .

 
واستطرد : ان العوامل التي ادت للانخفاض الراسي في الإنتاجية تضمنت ايضا أرتفاع اسعار مستلزمات الانتاج وبالأخص المخصبات والاسمده والمبيدات والذي انعكس سلبا على استيفاء الخدمة الحقلية الحافزة للأنتاجية المثلى ، و تقلبات الطقس المعاكسة لمراحل النمو المختلفة والتي انعكست سلبا فى غياب دينامكية الرصد المبكر والارشاد، علاوة علي تواضع مخصصات البحوث والارشاد وبالأخص فى برامج التربية وانتاج اصناف جديدة اكثر تحملا للملوحة والجفاف والامراض .

واكد عبد الجليل ان الدرس الاول المستفاد من حقيقة تراجع مساحات القمح وانتاجيتها هو فشل السياسات الزراعية الحالية فى تحفيز الفلاحين على انتاج المحاصيل الغذائية الاستراتيجية بالتسعير العادل لمنتجاتهم فى الزراعات التعاقدية والالتزام بتنفيذ تعهدات الحكومة فى حفظ حقوق المنتجين بطريقة شاملة وليست ” انتقائية “ . 

وشدد علي انه علينا ان نستفيد من مغزى الازمة القائمة حاليا فى اوربا الشرقية نتيجة اعفاء المفوضية الأوربية  للحبوب الاوكرانية من الرسوم الجمركية لصادراتها البرية الى بولندا والمجر وسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا مما انعكس سلبا على منافسة سعرية غير متكافئة مع المزارعين المحليين وهو ماادى الى استقالة وزير الزراعة البولندى واحتجاج وزراء الزراعه الآخرين فى الدول الخمس الاخرى على الاضرار بمزارعيهم  ، مشيرا الي ان تجاهل الواقع الحالى لن يغيره وسيضاعف صعوبة ايجاد حلولا ايجابية شافية له .